هل فعلا كل الناس تبحث عن المال فقط و فقط ؟

تقع على عاتقنا كإدارة موارد بشرية في الشركة عملية مهمة جدا و هي عملية تحفيز الموظفين و إبقائهم متحفزين ليس في كل الأوقات ولكن على الأقل في أغلبها. أحد الأخطاء الشائعة والتي يعتقدها كثير من الناس والذين لا يعملون في الموارد البشرية بأن كل الموظفين بلا إستثناء يحفزهم المال لوحده و لا شيء غيره أو أن كل الموظفين يتحفزون بطريقة واحدة ولكن الحقيقة مختلفة عن ذلك تماما فالموظفين مختلفين و يحتاجون طرق تحفيز مختلفة أيضا.

أتذكر قبل تقريبا 11 سنة وعندما درسنا لأول مرة عن هرم إبراهام ماسلو في معهد الإدارة العامة وناقشنا الدكتور عبدالله الوقداني عن أهم الأشياء و الأهداف و الطموحات و أغلبنا ذكر الوظيفة والمال والسيارة والزواج و المنزل فأعترض الدكتور وقال هذه ليست أهم ما في الحياة وهنالك أمور أكبر من ذلك بكثير فضجت القاعة إحتجاجا و أن من لديه المال لا يريد شيء سواه وبالمال يستطيع الإنسان شراء أي شيء وتحقيق كل الأهداف ثم شرح لنا الدكتور أحد أهم نظريات التحفيز وإحتياجات البشر وهي هرم ماسلو للإحتياجات الإنسانية.

هرم ماسلو ببساطة يتكلم عن خمس مستويات من الحاجات الإنسانية ويقول بأنه يفترض أن الإنسان ينتقل من مستوى إلى آخر عندما يصل لحالة الإشباع في المستوى الذي هو فيه حاليا وبالترتيب التصاعدي كما يلي:

1. الحاجات الطبيعية الأساسية مثل المآكل والمشرب والتنفس والحاجة الجنسية.

2. ثم بعد ذلك حاجات الأمان مثل السلامة الجسدية و الأمن الوظيفي و الأمن الأسري و أمن الممتلكات والبلد.

3. ثم بعد ذلك تأتي الحاجات الإجتماعية حيث أن الإنسان إجتماعي بطبعه فيحب دائما أن يكون الصداقات و العلاقات الأسرية وعلاقات العمل المستقرة و الحياة الزوجية الرائعة

4. وبعدها الحاجة للتقدير فيرغب الإنسان دائما لتقدير الذات والثقة العالية و الإنجازات و إحترام الآخرين و أن يتلقى الإحترام من الآخرين أيضا.

5. و أخيرا الحاجة لتحقيق الذات وهي درجة متقدمة حيث يسعى الإنسان إلى إبتكار أمور جديدة و الوصول لحلول لبعض المشاكل أو الصعوبات الموجودة و التي بحلها يسهل حياته و حياة الآخرين ويعمل أمورا متميزة جدا وعلى مستوى كبير فيشعر بتحقيق الذات فعلا.

الشركات تسعى دائما لخلق بيئة عمل رائعة تجمع في طياتها خيارات لإمكانية تحقيق كل الخمسة مستويات من الإحتياجات الإنسانية فترى الشركة تعطي رواتب جيدة مقارنة بسوق العمل و من وقت لآخر قد تعمل غداء جماعي للموظفين أو إفطار رمضاني و تعمل تأمين طبي أو تأمين على الحياة وتهتم كثيرا بالسلامة في العمل و تحاول جعل العلاقة بين أفراد الفرق أكثر قربا و تفهما و علاقات إنسجام بين الإدارات المختلفة أيضا وهنالك المكافأت السنوية ( البونص ) و الزيادات السنوية و الترقيات و مكأفات/جوائر الخدمة الطويلة في الشركة و إرسال إيميلات الشكر والتقدير أو شهادات و دروع الإنجازات المميزة عند إكمال المشاريع المهمة بنجاح ، أيضا نشاهد الدورات التدريبية والتطويرية الخاصة التي تعطى لبعض الأشخاض المميزون جدا في الداخل والخارج ( أنا أتحدث عن الشركات الإحترافية وليس الشركات العادية جدا ونعم يوجد شركات كثيرة إحترافية وتهتم بشكل لا حدود له بجانب تحفيز الموظفين لأن الموظف المتحفز دائما يحقق نتائج إيجابية أكبر بكثير من الموظف الغير محتفز ).

لكل شخص حد معين من مقدار الحوافز المالية عندما يصل إليه فلن يكون المال محفز له فيما بعد ، فمثلا شخص لديه مبلغ جيد في البنك ولو راتبه ليس بالمبلغ الكبير ولكن لدية إستقرار مالي جميل (ويوجد منافسة كبيرة بينه وبين أقرانه) قد يفضل بريد إليكتروني شكر و تقدير من المدير العام مرسل إلى كل موظفي الشركة يشيد بمجهوداته في مشروع ما على مكأفاة مالية. نعم قد يبقى إهتمامك بالمال و لكنه يصبح أقل من السابق و بالمقابل يزيد إهتمامك بأمور أخرى جديدة.

فمن بحاجة إلى مثلا 100 ألف ريال لسداد ديونه سيصعب عليه فهم أهمية شهادة شكر من رئيس مجلس الإدارة توضع خلفك في المكتب وتبرز مدى تميزك في العمل بين كل الموظفين والمدراء ولذلك نرى الفارق الكبير بين فرحة موظف التي لا توصف بشهادة شكر من المدير العام و إحتقان موظف أخر بسبب مثل هذه الشهادات و لسان حاله يقول إستبدلوا الشهادة ولو بخمسين ريالا !!

وحسب دراسات سنوية لل CIPD يتضح دائما أزدياد أهمية المحفزات الغير مالية للموظفين خاصة كلما إستقرت أمورهم المالية في الحياة فالشركات قد تفرط في أهمية المال وحده و قدرته على التحفيز الكبيرة وهذا خطأ شائع في كثير من الشركات والتي تتجاهل كل المحفزات الغير مالية.حتى في التدريب والتطوير هنالك موظفين يكرهون جدا التدريب و لا يرون له أي قيمة بعكس آخرين يؤمنون بأن هذا التدريب من مظاهر الإهتمام و سبب رئيسي للتعلم ثم إزدياد الثقة بالنفس و الإرتقاء في السلم الوظيفي.

مررت ببعض الموظفين سابقا و كان لديهم ملايين في حساباتهم إلا أنهم يعملون وملتزمون ومميزون في عملهم كثيرا ويريدون التميز والصعود أكثر و أكثر ليس من أجل المال و إنما لحاجات التقدير و تحقيق الذات فبعقلية المحتاج للمال كثيرا سيرى أن ذلك غير طبيعي و المفترض أن لا يعملون أبدا ولكن العمل هو سنة من سنن الحياة ( سواء تعمل عند الغير أو تعمل لحسابك الخاص ) و يحتاجه الإنسان دائما . ولكل نظرية بعض الإنتقادات ويوجد عدة إنتقادات لهذه النظرية أيضا ولكن نظرية الحاجات الإنسانية قد تكون واحدة من أهم ثلاث نظريات و التي تستفيد منها الشركات في تصميم برامج التحفيز قصيرة وطويلة المدى الخاصة بموظفيها.

ربما عملي في الموارد البشرية جعلني أفهم بشكل كبير هذه النظرية بشكل عملي وتطبيقي و دائما أستشهد على صحتها بالأمثلة الكثيرة التي تحدث سنويا من موظفين متعددين ومختلفين حيث يتبين أن كل موظف في الشركة هو في مستوى مختلف و إهتماماته منصبة على أمور مختلفة تماما عني و عنك وتتغير سنة بعد سنة ( خذ على سبيل المثال طريقة تفكير الموظف قبل أن يصبح مشرفا و بعد أن يصبح مشرفا ). أعلم بأن البعض سيخالفني الرآي تماما وسيقول بأن المال هو المحفز في الأول والأخير مثلما عارضنا نحن دكتورنا قبل 11 سنة و لكن ذلك يعود عادة للحاجة الكبيرة والملحة للمال (أو حتى طمعا للحصول على المزيد منه) بالنسبة لك حاليا ولكن فقط تحسن حالتك المادية و إستقرارها أكثر و صعودك في السلم الوظيفي سيجعلك تفهم ما أتكلم عنه عن تجربة شخصية و ليس من الكتب أو المقالات فقط.

و إنطلقوا أكثر نحو المستويات الأعلى لتكونوا أكثر فائدة ليس فقط لأنفسكم و إنما للناس أجمعين.

تحياتي لكم

أخوكم مهدي صالح الفوز

ماجستير إدارة أعمال – مدير موارد بشرية

@mahdifouz

شاركها
  •  
  •  
  •  
  •  
  •  
  •  
  •  
  •  
  •  
  •  

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

جار التحميل...