من رحم الفوضى يولد الإبداع..

Image (1)

 

من رحم الفوضى يولد الإبداع ..

 

نواجه الكثير من النداءات التي تدعوا إلى النظام والترتيب والإبتعاد عن كل ما يدعوا إلى الفوضى سواء على صعيد الحياة الشخصية أو المهنية، وهناك العديد من الدراسات في علم النفس تؤكد على أن النظام والترتيب تساعد في تحقيق الأهداف بأقل جهد و وقت ولها القدرة في التحفيز للنجاح، وتظهر لنا الشخص الناجح بصورة مثالية بعيدة عن كل ما يخرج عن المألوف وتصور لنا أيضاً أن الشخص الفوضوي غير منجز وبعيداً كل البعد عن النجاح، ثم ظهرت مؤخراً عدة دراسات ومنها دراسة أساتذة “جامعة مينيسوتا الأمريكية” والتي تشير لنتائج مختلفة تماماً وأهمها: أن الفوضى لها دور فعال في التحفيز على التفكير الإبداعي والذي بدوره يساعده على التميز والنجاح، وأن الموظفين الذين يعملون في مكاتب فوضوية هم أكثر قدرة على تجربة الأشياء الجديدة وتحمل المخاطر.

ختم هؤلاء الأساتذة دراستهم بقولهم ” يبدو أن البيئات غير المنضبطة تلهم كسر التقليد وتنتج أفكار جديدة”, وبذلك تم إعتبار أن الشخص الفوضوي مُبدع حيث أنه يتحرر من كل القيود وأساليب التنظيم التي تحد من أفكاره ومشاعره على السواء، فظهر مفهوم “الفوضى الخلاقة” والذي لاقى ترحيب كبير ومؤيديين كثر.

 

جسد الكثير من الأدباء والعلماء والمفكرين والفنانين في العالم العربي والغربي هذه الحقيقة والتي أُثبتت مؤخراً, ومنهم الخبير الإقتصادي الإنجليزي “تيم هارفورد” والذي أصدر كتاب بعنوان “فوضوي: قوة عدم التنظيم في تغيير حياتنا”.

و كان أينشتاين يقول: ”إذا كان المكتب الفوضوي دليل على تشتُت الذهن، إذًا فكيف نُفكر في المكتب الفارغ؟”.

آينشتاين مكتبه كان دائماً غير مُنظم، وكذلك ”مارك توين“ الكاتب الأمريكي الساخر، والذي كان يتميز بعقليته المُبدعة، بالإضافة إلى ”ستيف جوبز“ الذي اخترع الكتب الإلكترونية فقد كان يصعب عليه أن يجد كتبه في وسط مكتبه الفوضوي، وكان كل من يرى مكتبه يصفه بإنه كارثة فعلياً.

 

وقد كشفت بعض الدراسات أن المؤسسات التي تتبني سياسات صارمة تفرض على موظفيها ترتيب مكاتبهم ولا تسمح بالفوضى، تعاني من إنخفاض مستوى إحساس العاملين في هذه المؤسسات بالسعادة وزيادة شعورهم بالضغوط وكأن حريتهم قد سُلبت منهم، بالإضافة إلى شعورهم بعد القدرة على التعبير عن أنفسهم، مما قد يؤثر سلبا على صحتهم النفسية و مستوى أدائهم الوظيفي.

 

ومن بين من أثبتوا أهمية التنظيم في النجاح ومن أثبتوا العكس تماماً، يجب القول بأن كلا الفريقين يحملون جانب من الصحه وما عليك إتباعه ليس الأكثر إقناعاً لك وإنما الأكثر شبهاً لشخصيتك والأكثر أثراً في نفسك و مسيرتك، هنا يكون لفهمك لذاتك الدور في تحديد وإختيار ما يلهمك وما يحرر أفكارك ومشاعرك من دائرة العادة والمألوف، ففي تلك الدراسات لا توجد قاعدة عامة مسلم بها تسليماً كاملاً وتبقى الفروق الفردية هي المحك الأساسي في تحديد أجواء الإبداع الملائمة لك، وعلينا القول أن هناك علاقة طردية بين بيئة العمل والإبداع والإنجاز فكلما كان الموظف يتمتع بالراحة ويشعر بشيء من الحرية في مكتبه والتي لاتؤثر بالمقابل على سير العمل ولا تتسبب في إزعاج العملاء سيكون أدائه مميز وإنتاجيته عاليه.

من جانب آخر علينا أن ندرك أن التفكير الإبداعي هو سبيلنا للوصول إلى أفكار وحلول مختلفة وفريدة من نوعها ولتحقيق ذلك يجب أن نلاحظ طريقة تفكيرنا بالأمور فكما يقولون إذا لم يتحقق هدفك بالصورة المأمولة راجع أساليبك وهنا يكون الأسلوب الأمثل للإبداع هو  التفكير بطريقة مغايرة للعادة أي بمايسمى  ” التفكير خارج الصندوق”.

إن أفكارنا الإبداعية  تبدأ كنطفة صغيرة وتعيش في رحم الفوضى لتولد بصورة إبداعية غير متوقعه حيث أن في لحظات اللاوعي تتسلل إلى عقولنا أفكار مختلفة ومتميزة نظن لوهلة بأنها غير منطقية أو غير مألوفة فنتجاهلها ونخسرها دون إدراك بأهميتها وتميزها.

ما يميز الإبداع بحد ذاته هو أنه يخلق من الفوضى وأحياناً من العدم  لا تحده الظروف أو الإمكانات أو القيود فكثيراً ممن أبدعوا وتميزوا خلقوا من اللاشيء أو من الأشياء البسيطة شيء خلده التاريخ كصنّاع أبسط الأدوات التي نستخدمها كثيرا في حياتنا اليومية والتي لم يتوقع صنّاعها أنذاك أنها ستحقق كل هذا النجاح وتصبح حاجة ماسة للبشرية, لذا أبسط وأعمق مايعبر عن الإبداع مقولة “السهل الممتنع”,  نحن لا نحتاج الكثير لنُبدع فقط نحتاج أن نشعر بعظمة إختلافنا وتفردنا ونفكر بذات الإختلاف فالتشابه لا يخلق شيء مميز.

 

 

شاركها
  •  
  •  
  •  
  •  
  •  
  •  
  •  
  •  
  •  
  •  

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

جار التحميل...