DNA التنظيمي، طريق بناء الهويّة المميّزة للمنظمات

السكرتير أيمن يطرق الباب ويدخل على المدير التنفيذي لشركة الحياة المهندس الدكتور سالم وهو منكب على مراجعة لائحة بعنوان ” الهيكل التنظيمي الحيوي وبناء المعرفة التنظيمية ” من اقتراح مشترك لرؤساء الإدارات في الشركة.

د.سالم وما زال رأسه للأسفل نحو أوراقه : نعم يا أيمن ماذا لديك؟

أيمن : أأأأأأأ……..

د.سالم “يرفع نظره تجاه أيمن، يشاهد الدموع تملأ خديه بصمت ” : أيمن ماذا بك، يتحرك د.سالم من مكانه نحو أيمن يضع يديه بحنان على كتفي أيمن : أيمن ماذا بك ؟ أفْزعْت قلبي، هل حدث لك أو لأسرتك مكروه ؟

أيمن يحتضن د.سالم وهو ينتحب : لقد أقالوك من منصبك وأحالوك للتحقيق .

د.سالم يفغر فاه، تتوقف عيناه عن الحركة، يرجع للخلف بتثاقل، يجلس بقوة على المقعد المقابل لمكتبه، مكررا : الحمد لله ، الحمد لله

أيمن يجثو على ركبتيه أمام د.سالم: لابد أن في الأمر خطأ ما، يبدو أنّ هناك فهم خاطئ لموضوع ….. .

يضع د.سالم يده المرتعشة على فم أيمن مانعا إياه من استكمال الحديث، ويده الأخرى يلقي بها على كتف أيمن مربتا : أيمن لعله خير، اتركني الآن وحدي و الغي اجتماعي اليوم ولا تسمح لأحد بالدخول عليّ .

 

في هذه اللحظات الصادمة، مرّ على د.سالم شريط الذكريات في السبع سنوات الماضية، التي تمثل عمر د.سالم الزمني كمدير تنفيذي لهذه الشركة، والتي جاءها بعد تجربة تدريب في إحدى الشركات العالمية.

 

أول ذكرى مرت عليه كانت جولته في أول يوم على إدارات الشركة وأقسامها ، ما زال يتذكر ذلك العبوس الذي لاحظه على وجه بعض الموظفين، وتثاقلهم للوقوف لمصافحته، وقف تأمله نحو ذلك الموظف الذي كان يكتب على جهازه ولم يفكر حتى في رفع نظره للمدير التنفيذي الجديد، وعندما اقترب منه د.سالم أكثر ووضع يده على كتفه دفعها ذلك الموظف بعيدا وبعنف ونظره مازال موجّها نحو شاشة الكمبيوتر .

 

هنا ، قطع د.سالم مسار شريط ذكرياته، تنهد، قال بصوت خافت ” وبصره بإتجاه الباب الذي خرج منه أيمن” : سبحان من غيّرك يا أيمن لتكون سكرتيري الخاص بعد ستة أشهر من مباشرتي العمل في الشركة .

 

ما زال يتذكر د.سالم الأمور التي كان يرغب ملاحظتها في تلك الجولة وما يريد التركيز عليه، وعزّز ذلك التركيز تلك الحوارات العابرة مع أصحاب المصلحة الداخليين و أيّا من أصحاب المصلحة الخارجيين الذين صادف وجودهم أثناء مروره، والتي ساعدته في تحديد أي طريق يسلك وأي أدوات يستخدم أثناء مسار تقصّيه في الشركة،

 

لنفس الهدف السابق جعل د.سالم له جولة كل يوم في أول نصف ساعة من الدوام ولمدة أسبوعين، وخلال هذه الفترة أيضا انكب خارج وقت الدوام الرسمي في ساعات الليل المتأخرة على دراسة تقارير الشركة في السنوات الخمس السابقة ومقارنتها بالخطط المرتبطة بها سواء، كانت خطط استراتيجية أو تكتيكية أو تشغيلية.

خرج بفجوات في فهم طبيعة بعض أعمال الشركة، فكان يجتمع مع رؤساء الإدارات ليشركهم في تحسين فهمه لما يجهله وفق أدلة واضحة من قبلهم، كما كان يستعرض نتائج تقصّيه ليكونوا مستوعبين لمسار دراسته للواقع.

 

كوّن د.سالم خلال تلك الفترة من التقصي، صورة جعلته يعود لمخزونه من الخبرة، ويبحث في أي النماذج التي يعلم فعاليتها يقينا في تحسين التحديات التي توّصل إليها، وهنا قادته خبرته نحو DNA التنظيمي، فقرّر استكمال التقصي السابق باستعارة تشخيص DNA التنظيمي، ليكون الحاكم النهائي بصواب قراره في تطبيق الحمض النووي الخاص بالشركات.

 

كان د.سالم مؤمنا بذلك التشخيص الذي تعلّمه من Gary L. Neilson, Bruce A. Pasternack, and Decio Mendes  كأساس لبناء DNA في الشركة، فذلك المقياس بمثابة “كشف ما قبل الزواج “، تُشخّص به الشركات ويتحدد به مستوى قوة أو ضعف ال DNA، ويُستكشف من خلاله المشكلات مهما كانت صغيرة، والتي يمكن أن تؤدي إلى مشكلات كبيرة وبالتالي تعثر الشركة عن تحقيق أهدافها مستقبلا، ومن خلال تطبيق النموذج يتم تمتين تميز الشركة وتحسين فجواتها، والأهم يعزز بناء هوية متميزة لشركة الحياة، كل ما كان عليه هو تكييف ذلك المقياس بما يتناسب مع الشركة وطبيعة مهامها، وبعدها نشره كرابط إلكتروني للموظفين، أوْكل عملية التحليل واستخلاص النتائج في تقرير إلى أحد مستشاري الشركة.

 

بعد أسبوعين عقد د.سالم اجتماع مع رؤساء الإدارات أعلن عنه مسبقا وحدد له مدة ساعتين، أراد أن يكون هذا الاجتماع بنكهة عاطفية و مختلفا عن اجتماعه السابق الخاص بمناقشات التقصّي، في ذلك اليوم عرّف عن نفسه و استعرض سيرته الذاتية، واستمع لسيرة كل شخص، وأكثر الأمور التي يفخرون بها في هذه الشركة، وتعريف مختصر عن حياتهم الاجتماعية الخاصة.

 

لم يكن د.سالم بحاجة إلى معرفة السيرة الذاتية بحد ذاتها، فيمكن معرفة ذلك من خلال الوثائق الرسمية، وكان يعلم أن البعض قد يعتقد أن السؤال عن الحياة الاجتماعية لا محل له في اجتماع رسمي، ولكن كان يريد أولا: بناء علاقة معهم، علاقة ذات منظور ضمني لبناء الود من خلال معلومات تجمع بين وجهين مهمين في حياتهم وهما الحياة المهنية والحياة الاجتماعية الخاصة، ثانيا: محاولة استشفاف لغة الجسد و نبرات الصوت في الحديث عن أنفسهم ومنجزاتهم والأمور التي تجعلهم يفخرون بشركتهم، لأنها تعطيه رسالة مبدئية عن مدى رضاهم، وما يحبون ويفضلون، فيقتنص هذا الفهم في التخطيط لعلاقته معهم في العمل المهني وما يرتبط بها من عاطفة تنظيمية.

 

كان د.سالم خلال حديثهم يستوقفهم ليستفسر عن بعض النقاط ويستوضح أخرى، و بعد انقضاء الساعة الأولى ناقشهم أنه بات واضحا له ما يجب أن يركز عليه الآن كبداية لإحداث عمليات التغيير.

 

د.سالم : أشكر لكم تفاعلكم وحسن تجاوبكم من أجل مصلحة هذه الشركة، سأعرض عليكم التقرير الذي يتضمن نتائج تقصّى واقع الشركة، وقد لاحظت وجود تغيُّر في السياسات القيادية للشركة بتغيّر القيادات في السنوات السابقة، رغم وجود رؤية ثابتة وتشابه في الظروف وسياق العمل وطبيعة ثابتة للمهام، أيضا يختلف الموظفين في درجة دافعيتهم للعمل، هناك المتحمس وهناك المحبط وما بينهما تختلف الدرجة.

وسأقترح عليكم تطبيق نظام وراثي ثابت يصنع هوية للشركة قوية تستطيع أن تنافس بها أفضل الشركات مع إمكانية التحسين المستمر تحت مظلة هذا النظام الوراثي. بما يحقق جسد تتفاعل كافة أجزائه وأجهزته معا بشكل صحي و بطريقة متناغمة ومنسجمه، وسينعكس تأثير ذلك علينا كقادة وعلى موظفي الشركة وعملاءها، وسيتضح لكم خلال عرضه لماذا تمّ اختيار هذا النظام وما علاقته بالتقصي الذي تم.

 

يخرج د.سالم في هذه اللحظة التي سبر فيها أغوار الماضي تأملاً من مشاعر التوتر الذي انتابته بعد معرفة خبر إقالته و يتكأ على جانب الكرسي ويبتسم، فقد تذكّر ذلك الوجوم الذي أصاب الرؤساء الحاضرين، ونظراتهم نحو بعضهم، وتذكّر زيادة وتيرة الاستغراب منهم، حين قال لهم: سنبني ال DNA التنظيمي للشركة بالقواعد الأربعة المكوّنة له، وبمنهجية علمية تؤسس بناء قويا للشركة.

 

جميل: أثرت فضولنا للتعرف على DNA التنظيمي هذا،  لم يسبق لي معرفته

تتداخل أصوات بقية رؤساء الإدارات وكل واحد يردد ولا أنا لم أسمع بنظام وراثي للشركات ولا بمفهوم DNA التنظيمي.

د.سالم: أبشروا وما أنا اليوم هنا إلا لأعرض لكم تصور DNA التنظيمي، ستتحسن الفكرة وتكبر بعد الله بكم إن شاء الله

 

د.سالم مسترسلا: من الأمور التي نتجت من خلال عمليات التقصي والتشخيص السابق كما هو واضح لديكم في التقرير، إضافةً لملاحظة اختلاف السياسات القيادية وتأثير ذلك، تم رصد حاجة الشركة للاهتمام أكثر بالعنصر البشري عموما، فإذا استطعنا كسب انتماء الجميع للشركة، نستطيع تحقيق الكثير لأن تابع ذلك الانتماء ممارسات وسلوكيات تنظيمية فاعلة، فنجاح الشركات يعتمد ٧٠٪ منه على السلوك التنظيمي للموظفين.

ناصر: قد تكسب انتماء البعض ولكن قد يكون من الصعب انتماء الكل.

د.سالم : لنجعل تطبيق DNA تنظيمي بمثابة تجريب نقيس من خلاله مدى كسب انتماء الموظفين، ومدى تأثير ذلك على السلوك التنظيمي، وبالتالي أثره على الشركة.

مجد : أراك د.سالم تتحدث بثقة حول فعالية تطبيق DNA  التنظيمي، هل أنت واثق من نجاحه؟

د. سالم: أريد أن أوضح لكم أمرا، أنه بالاطلاع على أفضل الأبحاث في هذا المجال تجد أنه حقق نتائج باهرة، ودعني أكرر ما قلته لناصر ” دعونا نجرب ” تلك الكلمة التي كان يرددها قائد مشروع هوندا سيتي هيرو عند كل خطوة تغيير وعند كل عارض من مقاومةٍ للتغيير، فالتجريب أكبر برهان، قد نلغيه وقد نحسّنه ونطوّره بناء على ما يظهر لنا من نتائج.

مجد : لا أدري لماذا اتجهوا لهذه المحاكاة في المسمى، الأمر ليس حقيقيا بهذه الصورة، ماذا سيحدث لو طبقوا مضمونه دون محاكاة DNA البشري.

د.سالم: بالتأكيد هو ليس حقيقيا وغير متطابق التفاصيل، إنما كان ذلك نوع من التفكير الإبداعي، فهنا يقرّب الصورة الذهنية للناس عن طريق تشبيه يرتبط بأجسادهم وحياتهم فلا ينسونه ويتفاعلون معه، وذلك من خلال توضيح الوضع الوراثي للشركة بإعتباره أساس بنائي لها، ومن تحليله يتضح التصور الصحي للشركة فيمكن معالجته.

جميل: عنّي تدهشني النماذج التي ترتبط بالبيئة أو بالكائن الحي وغيرها، وتعطيني فهم عميق، واستشعار بقيمة الأمر، وهو يمثّل لي رابط ذهني تستديم في ذاكرتي صورته وأثره مع الأيام

مجد: صحيح هذه التشبيهات تعمل روابط ذهنية، لكن أيضا أصلحهم الله ليس كل شيء في البيئة أو في حياتنا لائق للمحاكاة كمسمى نموذج، حتى وإن كان مناسب للتقريب والتشبيه، وذا فائدة في استثماره كمبادئ في العمل، يعني مثلا أحدهم يحدث بينه وبين السمكة تواؤم عاطفي، فيصحبها معه في ابتكاره لتحليل المشكلة، ويشتق من السمكة عظمها، شخص آخر قد يكون يعاني من مقاومة الناس للتغيير فيجد ضالته في نموذج طبقات البصل كحل لتلك المشكلة، كل هذا يمكن هضمه وبلعه أمّا نماذج مثل نموذج صندوق القمامة لتحسين صناعة القرار عجزت أفهم لماذا هذا الاختيار والمسمى، ألم يجدوا غيره.

الجميع : ههههههه

د.سالم: دعني أوضّح أكثر مغزى استخدام النماذج، هي طريقة يفهم بها البشر ما هو تحت التجريب، ويعتبر بمثابة شرح لما يلاحظوه، وقد يكون تنبؤٌ بما قد يرونه لاحقا، وعموما كل هذه التشبيهات والروابط الذهنية التي يرغبون في وصولها للناس بغض النظر عن كونه تشبيه نتقبله أو نرفضه نفسيا فهو دلالة على أمور منها : قوة التأمل لدى صاحب الفكرة ، و سعيه لتبسيط أفكاره وتصوره الذهني النظري ليسهل مناقشته مع الآخرين فيصل بسهولة للناس في قالب شيق وعميق المعنى، و ما نريده نحن بمحاكاة هذه التجربة التي تناسب مشكلاتنا التي نتجت من تقصّينا أن نوفر بيننا لغة مشتركة بمشاعر مشتركة وتصور مألوف مشترك.

ناصر : حسنا، د.سالم هل يمكن أن تعرفنا بDNA التنظيمي، والأهم علاقته بالتشخيص الذي تم في الشركة بقيادتك.

د.سالم :  DNAالتنظيمي يتكون من أربعة قواعد أساسية تعتبر بمثابة القواعد النيتروجينية المكونة للحمض النووي للإنسان ،وهي “الهيكل التنظيمي، وحقوق اتخاذ القرار، والحوافز، والمعلومات”.

الهيكل مفهومه ليس جديدا عليكم ولا بعيدا عن إدراككم، فهو يعتبر أمرا ضروري لكل شركة، حيث يمثل العمود الفقري الذي يتم به تماسك مراكز المسؤولية وفق ترتيب معين، ويتم من خلاله تنظيم العلاقات بين الإدارات المختلفة وبين الموظفين فيما بينهم، بما يحقق الأهداف بكفاءة وفاعلية، يتضح من الهيكل التسلسل الهرمي التنظيمي وبناء على ذلك تتحدد طبيعة المسؤوليات و المهام والأدوار، وما يرتبط بها من نظم للمساءلة .

أحمد: وهل هناك مشكلة في هيكل الشركة، لم نشعر سابقا بشيء يخص ذلك  ؟

د.سالم: التشخيص يثبت أن الهيكل لا مشكلة فيه للمرحلة السابقة من حياة الشركة، و لكن تلك الهرمية الشديدة في الهيكل لن تناسب شركات الأعمال في القرن الحادي والعشرون ، ولا تتوافق مع التحولات في عصر الاقتصاد المعرفي والتنافسية الاقتصادية، وستتولّد مشكلات كبيرة من المشكلات الصغيرة التي رصدنا تواجدها، وطبيعي هذا سينعكس على مستقبل الشركة بما تتضمنه من رؤية وتطلعات، وقد تنقرض الشركة في سنوات قليلة قادمة إن لم يتم التغيير نحو تعزيز أداء مختلف قائم على الابتكار، وهذا بحد ذاته يتطلب بناء بنية تحتية لسلوك تنظيمي يرتبط بتغييرات هيكيلية يعزز التحول  للمستقبل إن شاء الله،

ناصر: هل يمكن أن تكون د.سالم واضح وشفاف أكثر وتفصيليا بهذا الشأن لنفهم ما ترنو إليه ؟

د.سالم: هيكل الشركة الحالي كما ذكرنا عديد المستويات، وبعدد كبير من الموظفين، ودعني أكن صريحا معكم رصدنا أثّر ذلك على فعالية بعض الإدارات، بل ووجدنا تعثُّر في تنفيذ الخطط، وبالتالي كان هناك صعوبة في تحقيق الأهداف التنظيمية في أكثر من إدارة ، ولكم أن تستنجوا حجم الهدر المالي، والهدر في الوقت والجهد بسبب ذلك، و لا يخفى للعيان أبدا عمل كل إدارة في الشركة وحدها بطريقة منعزلة بعيدا عن بقية الإدارات، حتى أنّ كل إدارة تعقد اجتماعات وفق منظورها، بينما المفترض أن تكون الاجتماعات جامعة كل الأطراف بهدف مناقشة قضايا مشتركة، والاجتماعات الخاصة في كل إدارة تكون لخدمة تلك الاجتماعات العامة.

مجد: ليس بيدك تغيير ذلك، فهو ليس قرارك وحدك يا د.سالم

د.سالم: صدقت ، وأنا عرضت ذلك في اجتماع مجلس الإدارة قبل نقاشه معكم، ولا مانع لديهم من إحداث تحول في عمل الشركة وهيكلتها وتغيير طبيعة أعمالها، ولذلك سيكون DNA التنظيمي فاتحة الخير وباكورة التحول الاستراتيجي، سنتدرج في تحقيق هذا التحول، بل إن من توصيات اجتماعي مع مجلس الإدارة أن اتفق معكم على البدء بإثنين من القواعد المكوّنة ل DNA التنظيمي، وهما الحوافز والمعلومات، و العمل قدر الإمكان على أفقية العمليات، مهما كان الهيكل شديد الرأسية حاليا.

جميل: صحيح ، فالتغيير الحقيقي يا إخواني يبدأ بتقليل مستويات الهيكل التنظيمي، فالامتدادات الكثيرة داخل الهيكل هذا لن يدوم أثرها طويلا، ولكن الإشكالية نجد بعض الشركات يعمل على تغيير الهيكل ويقف بإعتقاده أن تغيير الهيكل هو الحل السحري لإحداث التغيير في شركته، أتمنى أن لا ننتهج ذلك.

د.سالم: بالفعل، يرتبط بتغيير الهيكل، التغيير في طبيعة اتخاذ القرار، لأن الهيكل العديد المستويات لا يهتم بصناعة القرار الجماعي، ويحصر اتخاذ القرارات في قيادات المستويات العليا من الهيكل.

أحمد: وفق ما فهمت منك صناعة القرار الجماعي يعتبر الأساس الثاني من أسس DNA التنظيمي، أتساءل هل تقصد بصناعة القرار الجماعي كل موظفي الشركة ؟

د. سالم : حق اتخاذ القرار يجب أن يكون واسعا وممتدا في مستويات الهيكل التنظيمي، وذلك بالاتجاه نحو اللامركزية الموزونة

جميل: منهج رنجي هو سبب نجاح الشركات اليابانية، فهو يعتمد على صناعة القرار من أسفل لأعلى بضمان مشاركة أصغر موظف في الشركة

مجد متمتما: ” عز الله ضاعت الشركة ”

د.سالم: هل قلت شيئا ما يا مجد ؟

مجد: بصراحة، هذا الأمر سيؤدي إلى التأثير سلبا على كفاءة الشركة، فبعض رؤساء الإدارات أو الأقسام غير مؤهلين لاتخاذ قرار ، فكيف تُعطى لهم هذه السلطة، مع احترامي للجميع .

د.سالم: أعذرك لمثل هذا التخوف يا مجد، إذا طرحنا اتخاذ القرار بمشاركة الجميع بدون سياسات واضحة ودون تمكين للرؤساء و الموظفين فسيحدث السوء الذي تتوقعه في ذهنك، ما سنعمله وضع معايير واضحة لاتخاذ القرارات من قبل رؤساء الإدارات دون الرجوع للقيادات الأعلى، و سنضع منهجيات تدعم إشراك كل الموظفين في ذلك، و بالتالي سيكون هناك وضوح في طبيعة القرار الكفء، ونتاجه جودة في الأداء بتقليل الهدر والسرعة في الإنجاز مع الإتقان ، فلن يكون هناك حاجة للمراجعة من أجل الموافقة على كل معاملة، فالكل متمكّن بدرجة ما نحو اتخاذ القرار الأفضل، مع الوضع في الاعتبار أن هناك استثناءات من بعض تلك المعايير سيتم تحديدها من خلال تحليل درجة صعوبة الإجراءات التي تتبع اتخاذ القرار وطبيعة تعاملات الشركة الخارجية و التقارير التي توضح تحليل منجزات العمل وتحدياته.

مجد: هذا جيد

ناصر: ألا تخشى د.سالم. استغلال هذه الصلاحية للأهداف الشخصية من قبل ضعاف النفوس من الرؤساء

د.سالم : يجب أن تكون سلطة اتخاذ القرار واضحة وممنوحة في كل مستوى، وفي أي مكان تقع فيه المسؤولية على المخطط التنظيمي، ولكن وفق مبادئ تدعم حق اتخاذ القرار مثل :

  • المسؤولية لا تعني السلطة
  • ينبغي أن يكون للإدارات المختلفة أهداف مشتركة ومقاييس أداء، واتخاذ القرارات تدعم تلك الأهداف بمقاييسها
  • يجب أن يكون للمجموعات حق في اتخاذ القرار بمنهجيات واضحة.

ناصر: وحتى إن وضعت معايير قد لا ينجح الأمر لضعف خبرة البعض، وكذلك الضعف في رؤية الصورة الكبرى للأمور التي تجعله يشارك بقرار صحيح

د.سالم : صدقت يا ناصر، ولذلك في تطبيقنا ل DNA التنظيمي، لدينا حل لمشكلة الخبرة، من خلال القاعدة الثالثة وهي المعلومات، بمعنى أننا سنخطط في الشركة لزيادة مساحة تشارك المعلومات أفقيا وعموديا ضمن المخطط التنظيمي للهيكل،

فسنهتم بتدفق المعلومات من جهتين،

أولا: من جهة القيادات العليا للمستويات الأدنى في الهيكل التنظيمي، ويجب ضمان توفر معلومات عالية الجودة مع ضمان تدفقها في جميع أنحاء الشركة في الوقت المناسب، وهذا يعتبر أكثر مهام الشركة تحدِّيا،

ثانيا: من جهة الموظفين مع بعضهم البعض، في المستوى نفسه ومع المستويات الأخرى، وسيكون هناك إجراءات منتظمة تضمن تقاسم المعرفة وتبادل الخبرة .

من خلال تشخيصنا لعمل الشركة وجدنا عمل متميز لبعض الإدارات، وابتكارات عملت على انسيابية العمل بطريقة رائعة، لكن لم تعرف إدارات أخرى عن ذلك العمل، بل إنّ بعضها واجّه نفس مشكلات الإدارات الأخرى التي استطاعت حلها بإبداع، بينما هي ما زالت تعاني التعثّر بسبب المشكلات القائمة، فلو كان هناك منهجيات للتواصل فعّالة لساهم ذلك في تدفق المعلومة والخبرة الإبداعية وبالتالي كان من الممكن أن يتم محاكاة الحلول لمواجهة التحديات .

جميل: في بعض الشركات العالمية يتم تنفيذ ما يسمى ب” اجتماعات الماراثون”، التي تضمن تدفق المعلومات والمشاركة في اتخاذ القرارات، حيث كل إدارة تجمع أفرادها في اجتماعات منفردة لمناقشة مشكلات مشتركة، ويخرجوا بتحليلات مستقلة، ثم يجتمع رؤساء الإدارات في كل مستوى تنظيمي ويعرض ما توصل له كل رئيس من نتائج مع الموظفين، فيتفاعلون معا في حلقة مناقشة وتحليل للخروج بتوصيات مشتركة جمعت عقول مختلفة وآراء متعددة، ولك أن تتخيل حجم المعلومات المتبَادَلة

د.سالم: من هنا يا ناصر يمتلك الأفراد زمام الصورة الكبرى بتفصيلات معلوماتها

مجد: د. سالم هل أنت على يقين بأن الموظفين سيتقبلون ذلك التغيير، هذا يتطلب إرادة منهم، وهذا ليس سهلا، قد يتطلب الأمر زرع الإحساس داخلهم أن التجاوب مع التغيير هو ما سيقرر وجودهم في الشركة، وبالتالي ستتولّد لديهم إرادة التغيير والتحول المهني تلقائيا استجابة للسياسات الجديدة للشركة.

د. سالم: هذا وراد جدا، ولذلك سيبدأ الأمر بتكوين فريق للتغيير من الموظفين من القوى المؤيدة، ترشحونهم أنتم، ليكونوا الداعم لنا.

جميل: وقد تضم موظفين ينتمون للقوى المعارضة، فعزلهم بداية التغيير من وجهة نظري خطأ، لذلك أوكل لهم مسؤولية قيادة جديد، فقد يتغيرون ويغيّرون.

د. سالم : وجهة نظر معتبرة، وسأسعى معكم لذلك عند اختيار الفريق .

يكمل حديثه : بقي أن أذكر لكم آخر قاعدة من قواعد DNA التنظيمي، والتي نأمل إن شاء الله أن تكون المحرّك لإرادة الموظفين وتفاعلهم، بمعنى أن جهودنا وجهود فريق التغيير وحدها لن تُؤتي ثمارها، لذلك تأتي القاعدة الرابعة التي تحرك القدرات الكامنة لدى الموظفين، وأقصد بذلك الحوافز، ولا نريد الاعتماد على الحوافز التقليدية التي شخصناها في الشركة والتي كانت معنوية أو مادية لم تُربط بالأداء، لذلك كانت فعاليتها ضعيفة.

سنعتمد على تقديم مجموعة شاملة ومتنوعة من مقاييس أداء تحاكي التي تستخدمها معظم الشركات العالمية مثل : ( إجراءات المحافظة على العميل، الوقت المستغرق للرد على المكالمات، الوقت المستغرق لمعالجة عينات المنتج، معدلات الهدر، جودة العمل المنجز،…. الخ )، ونظام الحوافز الذي سنصممه سيجعل الموظفين يعرفون كيفية تأثيرهم الشخصي على واحد أو أكثر من مقاييس الأداء المُصممة، وستربط الشركة هذه المقاييس بمكافآت الأفراد، وهذا بدوره سيحفز السلوك الإنتاجي، فمثلا كل موظف يستطيع التأثير على الاحتفاظ بالعميل بطريقة ما، تضع الشركة مقياس الاحتفاظ بالعميل وتربطه بتقويم الأداء، وينال الموظف مكافأة بمجرد الاحتفاظ بعميل ما.

جميل : هذا يعني أنّ الحوافز قوية ومحددة، وحين يُربط أداء الموظف بمقياس الاحتفاظ بالعميل كمثال وليس أداء الفرد المؤسسي فقط، فإنها بذلك تعزز النجاح الفردي ، وهذا له تأثير إيجابي على الشركة يدوم ، ومن هنا تتولد الهوية الخاصة للشركة التي تحدثت عنها د.سالم.

د.سالم : من المهم أن يكون هناك تدفق في المعلومات من قبل الشركة يتوافق مع تلك المقاييس وقت الحاجة لها من قبل الموظف، كي لا يشعر بتعثر هدفه الشخصي والهدف التنظيمي الذي يعمل من أجله، وبتطبيق أولي لقاعدتي المعلومات والحوافز وبقدر قوتها، يتماسك أداء الشركة وينجح الموظف وتسمو الشركة بإسمها وتُبنى هويتها كما ذكرت يا جميل ، وهنا تكسب إنتماء الموظف  يا ناصر، لأنك ساهمت في نجاحه.

مجد: بعد أن عرفنا أن DNA التنظيمي له أربع قواعد ، أتوقع أنّ خصائصه تعمل بشكل تكاملي ، فمثلا تغيير الهيكل يتطلب تغيير حقوق اتخاذ القرار، واتخاذ قرارات فعّالة تتطلب حوافز للموظفين ومعلومات متنوعة، فلماذا قررتم في مجلس الإدارة فقط تطبيق منهجيات المعلومات والحوافز كبداية ، لماذا لا يُطبق كاملا معا.

د. سالم : التغيير الكلي للحمض النووي الخاص بالشركة يحتاج ذكاء، ، و الأمر برمته يتطلب :

  • تحوّل عميق في نسيج الشركة نحو التركيز الجماعي على الأهداف المشتركة، بحيث يشكّل أداء كل مستوى في هيكل الشركة بمثابة أداء موظف واحد، مع ضمان ترابط وانسجام ذلك مع المستويات الأعلى
  • التحول نحو اللامركزية في اتخاذ القرار بشكل تدريجي
  • وضع مشرفين في الوحدات المختلفة يقودون التغيير، بحيث يستوعبون عمق التغيير الذي نسعى لإحداثه و يؤمنون به، وهذا دور فريق التغيير الذي حدثتكم عنه.
  • تعليم الموظفين سلوكيات ومهارات جديدة بهدف تمكينهم

وهذا لن يتم بسرعة ويحتاج سنوات للوصول إلى هذا التوجه ونحتاج الصبر من أجل تغيير كل ذلك

 

في لحظة الاندماج في التأمل هذه يدخل أيمن على د. سالم، وقد بدت الابتسامة على محياه، فقد مرّ عبر الزمن التأثير الذي شعر به في نهاية ذلك الاجتماع ليعانق مشاعر لحظته الحالية ويتغلب على مرارتها ويطغى بحلاوته ابتسامة على شفتيه.

 

د.سالم : نعم يا أيمن ألم أطلب منك عدم الدخول علي حتى اتصل بك

أيمن وبملامح الشفقة: سكون حجرتك أقلقني. فأحببت الاطمئنان عليك

د.سالم : أنا بخير أيها الغالي، سأجمع أوراقي وأغادر.

أيمن : دعني أساعدك

د.سالم: كلا، فقط امنحني بعض الوقت منفردا

أيمن:  أبشر

 

فتح د.سالم حقيبته السوداء المصنوعة من الجلد الطبيعي الفاخر ليضع فيها حاجياته، امتدت يده لصورة على مكتبة مع فريق التغيير الذي شكّله من أفراد كان اختيارهم بناء على استشارة رؤساء الإدارات، تناول الصورة وجلس بهدوء على مكتبه، شعر وكأنه في دوامة العبور من الصورة، إلى مكانه الذي قاد فيه أول اجتماع معهم.

 

د. سالم: بالطبع وصلتكم نتائج اجتماعي مع رؤساء الإدارات، وبالتأكيد أصبح لديكم تصور حول DNA التنظيمي، هل لديكم وجهة نظر حول آلية نشره، وكما تعلمون بداية سنعلن ونعمل على الحوافز والمعلومات فقط ، ثم مع الأيام نتدرج في عرض بقية قواعد الحمض النووي للموظفين.

سامي : ألا ترى أن الإعلان عن التصور كاملا مطلب ضروري لفهم الصورة الكبرى التي تريد أن تنقل بها الشركة، كما فعلت مع قيادات الشركة، ولكن كيف تعرض الصورة الكبرى هنا المحك، فعرضك لموظفي الشركة يختلف عن قادتها، يجب أن تكون أكثر تركيزا مع الموظفين في عرضك بحيث تلامس مشاعرهم و تعانق قلوبهم و تخاطب عقولهم .

د.سالم : صدقت يا سامي، فعلا الصورة الكبرى لن تتضح، هل لديكم اقتراح بشأن كيفية عرض التصور للموظفين؟

وليد : قد نقتبس فكرة المعسكرات التي تقيمها شركة هوندا للعصف الذهني وتعمل الشركة معسكر يجمع بين الترفيه والعمل، وأقترح أن تُجمع ساعاته من وقت العمل حتى تضمن حضور الموظفين .

د.سالم: ماذا تقصد بتجميع ساعاته من وقت العمل ؟

وليد : المعسكر حتى يقام يحتاج أن يكون يوم إجازة مثل يوم السبت، وتخشى ضعف الحضور، ولكن حين تسمح للموظفين بتقديم الخروج يوميا ساعة لمدة أسبوع، وتجمع تلك الساعات التي لم يكملها الموظف في دوامه ذلك الأسبوع ، و يعوضها في المعسكر مع ضمان جذبهم عن طريق الإعلان عن أنشطة الترفيه .

جمال: مقترح لا أعتقد أنه موفق ، ميزانية المعسكر من أين؟ إن كانت فكرتم في ” قطة جماعية ” قد لا يحضر البعض، سوف يفكر في استكمال دوامه يوميا، و” يقط ” لعائلته في يوم إجازته، يا جماعة فكروا بعقلانية ” شوي ” .

لاحظ د.سالم ضربة الكوع التي تلقاها جمال من  عدنان ، ضحك حينها د.سالم وقال :

هههه.. عدنان ، دعْ جمال يتحدث بحريته ، فعفويته في الحديث وقبعته السوداء التي عرفتها عنه، تفتح لنا أفق التنبؤ بالأمور السيئة التي يمكن أن تحدث، وبالتالي نخطط لمواجهتها، ثم اتجه لجمال قائلا : جمال نقده بنّاء ونحن بحاجة لمثله .

جمال : والله .. أجل أبشر بالخير .

الجميع : ههههههه

جمال : إذا اسمع، عندما ناقشنا رئيسنا في موضوع DNA التنظيمي وهناك غصة من الكلمات، التي ما زالت تحوم وتجول في عقلي، وتصل طرف لساني، فأشد عليها بأسناني لترجع، و تعرف د.سالم من كثرةِ العضِ تشوهت، و أخذت لها مكانا في زاوية من مخي و” انسدحت” ونامت.

الجميع: هههههه

د.سالم: لماذا تخفي رأي قد يكون له دور كبير في تحسين التصور قبل مناقشته مع الجميع .

جمال : من كثرةِ ما قال عني المدراء التنفيذين قبلك بأني سوداوي وسلبي، أصبحت أحترف خياطة فمي كثيرا .

د.سالم: جمال ، لا يلام القادة قبلي، ففي أدبيات المنظمات يُنظر للسلبيين على أنهم مثبِّطي همة، وتأثيرهم سيء، فهم يرون الجانب السلبي في كل عمل وتغيير، ولا يرون إلا منظور الفشل، وتكرار هذه الآراء يؤثر على قدرة الجماعة في توليد ظروف النجاح والتفاعل مع مواقف تستهدف الإنجاز، وغالبا هؤلاء منظورهم شخصي ولا ينطلق من الرؤية الجماعية ولا فكر عميق وواعي لديهم، لكن أنت مختلف عنهم يا جمال .

جمال : كيف مختلف عنهم وأنا دوما لا أرى إلا الجانب السلبي.

د.سالم: نعم مختلف، لأنك وفق المعلومات التي وصلتني من رئيسك وثنائه عليك، ترى السلبي وتنتهي بالإلهام بمقترحات إبداعية إيجابية تحسّن العمل، وتدفع قُدُما نحو تحويل رؤية الشركة إلى واقع.

جمال : الله يشهد على نيتي، “إِنْ أُرِيدُ إِلَّا الْإِصْلَاحَ مَا اسْتَطَعْتُ “، لا أقصد تأليبا على مدير ولا صراعا بين زملاء، أحيانا لا أنام الليل من عتبي على لساني .

د.سالم: لا يا جمال، لا نريد منك جلدا للذات ، ما أريده أولا أن تفخر بنفسك لأنك متوازن بين النقد السلبي والرؤية الإيجابية، ثم رجاء خاص أن تتوقع الثقة فيمن قبلي، وتفترض الإيجابية في سلوكهم معك، لأنه لا يمكن أن يسعى مدير تنفيذي لتعطيل موظف مهما كان، ولكن أعتقد التعارض بين توقعاتهم الإيجابية منك كموطف، وبين ردود أفعالك التلقائية السريعة دون مصاحبتها بمقترحاتك الإيجابية فوريا هو سبب المشكلة، وفي تعاملك معي اطرح خبرتك السابقة ولا تسقط المخزون الافتراضي الذي خرجت به منها على علاقتنا معا، بما أنّ نقدك بناء فأنت حر في التعبير عنه .

جمال يرمق سالم بنظرات تجمع بين الدهشة و الاستغراب ويقول : يعني أقول ؟

د.سالم: ههههه، نعم قُل، لكن أزل عنها التشوّه الذي ذكرته،

جمال : يا رأيي النائم في الحجرة عشرين من عقلي، اظهر وبان عليك الأمان وعد لأصلك دون تشوّه

الجميع : هههههه

جمال : سأتحدث عن جانب المعلومات لأني أراها الأهم في DNA التنظيمي، أنت د.سالم مع احترامي لجهودك، غلب عليك الحدس في تحديد مستوى تدفق المعلومات بين الموظفين وافترضت سببا وهو ضعف الاتصال والعلاقات بين الموظفين في الشركة، نتيجة تحليلك الهيكل والوصف الوظيفي، صحيح ،عملت مقابلات عشوائية مع عدد قليل جدا من الموظفين واعتمدت على الملاحظة ، واستخدمت أدوات متعددة، لكن هذا تقصّي ضعيف عزّزه حدسك.

د.سالم: وعملت تشخيص DNA التنظيمي ، أقصد ما قبل بدء التغيير، ومع هذا أريد وجهة نظرك ومقترحك لدقة التقصّي؟

جمال : نظرتك اتجهت إلى التركيز إلى العلاقات الهرمية ومستوى العلاقات في الإدارة الواحدة، دون منهجية واضحة

د.سالم: من خلال تشخيص الواقع الداخلي الذي قمنا به، وجدنا العلاقات والتواصل بين أفراد الإدارة الواحدة قويا في بعض الإدارات وضعيفا في أغلبها، فمن كانت علاقاتهم قوية وجدت لهم أوقات ثابتة للاجتماعات.

جمال (مقاطعا سالم بصوت مرتفع) : د.سالم ، هل هي علاقات ذات معنى؟

د.سالم (تشخص عيناه قليلا، يعود للخلف للاستناد على الكرسي ببطء شديد): ماذا تقصد بعلاقات ذات معنى ؟

جمال :  إذا أردت يا د.سالم DNA تنظيمي يصنع هوية متميزة ومتفردة لشركتنا، ويُشار لنا بالبنان، فيجب أن يكون التشخيص دقيقا وبأدوات تكشف عمق تأثير الهيكل التنظيمي للشركة، والعلاقات الناشئة عنه والتي تؤثر في مستوى تدفق المعلومات واتجاهاتها، ومدى تأثير ذلك على اتخاذ القرار ومكانه، ومن الطرق التي تساعد على ذلك، تشخيص الشبكات الاجتماعية في الشركة وتحليلها بشكل عميق، لنكشف مدى ارتباط كل ما سبق بالمهمات الاستراتيجية للشركة، وهذا ما سيكشف هل الاتصال والعلاقات ذات معنى ترتبط بمهام وتعزز تطور الموظفين وتنمي التفكير الإبداعي والابتكاري لديهم.

عدنان : لا أخفيكم سرا أنا اخترت مع مشرفي في رسالة الدكتوراه موضوعا بحثيا بعنوان “أثر تحليل الشبكات الاجتماعية في الكشف عن جودة الحياة في المنظمات”، و من خلال دراستي فعلا كما ذكر جمال، أعتقد أنها من الأدوات المساعدة في تشخيص DNA الشركة،

د.سالم: ممتاز جدا، حقيقة معلوماتي ليست عميقة في موضوع الشبكات الاجتماعية وطرق تحليلها، لكن أعتقد أنها قد تكون إضافة قوية، ولكن يبدو أن الوقت لن يسعفنا لذلك ونحن نسعى للمعسكر في أقرب وقت.

عدنان : الأمر بسيط جدا ويمكن تطبيقه يوم المعسكر .

د.سالم: كيف يا عدنان ؟

عدنان: المعسكر جزء منه ترفيهي .. أليس كذلك ؟

جمال : هذا “اللي باط كبدي” ، رجال ومكان عمل و”نشتغل نطنطة”

الجميع : ههههه

د.سالم: لا يا جمال ، ليس ترفيها يذهب بمروءة الرجال، وإنما هو نوع من الترفيه المعتدل والذي يروّح عن النفس ضغط العمل ، لنعد لك يا عدنان لماذا ربطت الموضوع بجانب الترفيه ؟

عدنان : لأني من خلال بحثي في موضوع الشبكات وجدت العديد من الأنشطة التي تستخدمها الشركات في تشخيص وتحليل الشبكات و التي يمكن أن نجعلها هي منطلق العمليات الترفيهية .

وليد : وبذلك أصبح ترفيه ذو معنى ، فهو يخدم التصور

عدنان : نعم، وهناك أمر مهم أيضا، سيغيّر قناعات الموظفين ويجعلهم يحملون اتجاه إيجابي نحو تطبيق DNA التنظيمي ، لأنهم سيكتشفون بأنفسهم الخلل في شبكة شركتنا الاجتماعية، وسيتصورون ضرر ذلك مستقبلا.

د.سالم: إذا هل هناك مانع يا عدنان أن تكون من توصيات اجتماعنا هذا أن تتولى بناء الأنشطة الترفيهية المرتبطة بكشف واقع الشبكات الاجتماعية للشركة، وعرضها علي لدراستها؟

عدنان : أبدا بكل سرور، سأقوم إن شاء الله بتصميم أنشطة الشبكات ترتبط بالمهمات الاستراتيجية، وتستهدف تباعا الكشف عن :

  • استشعار أهمية العمل التعاوني الفعّال للمهام، من خلال تحديد الشبكة الاجتماعية الخاصة بها، وسيبرز من خلالها التسلسل الهرمي المرتبط بها والحدود الوظيفية.
  • مستوى تقدير العلاقات والتي تكشف عن التعاون ذو المعنى، من خلال نشاط يكشف الاتصال بين الإدارات و والموظفين، ومدى تدفق المعلومات تبعا لذلك، ومستوى تقاسم المعلومات والمعرفة،
  • قيود العلاقات والتكتلات حول الموظفين في الشبكة والتي تعيق اتخاذ القرارات وتدفق المعلومات وتعثّر المهام .
  • كشف مستوى التوافق والانسجام العام في الشبكة والذي يحكم على المناخ العام للعلاقات وما يرتبط بها من تقييم للمحبة واللطف والزمالة والثقة ومستوى المساندة المهنية لبعضهم البعض.

أعتقد د.سالم ، والحديث للجميع، مبدئيا يعتبر تقرير نتائج تحليل الشبكات الاجتماعية الذي سنخرج به ، سيكون له دور كبير في بناء DNA تنظيمي قوي، وبالتدريج  نقوم فيما بعد بتشخيص أعمق للشبكات نحسّن من خلال نتائجه عمليات بناء ال DNA التنظيمي و بطريقة أكثر فعالية.

د.سالم: رائع يا قادة التغيير في الشركة، اليوم استفدت وتعلمت منكم الكثير، وسنتعلم جميعا بشكل أكبر من خلال سياق عملنا ونحن نجهز لنظام وراثي للشركة، تعظم وتكبر فائدته مع السنوات.

وليد: وأنا أشكركم بعمق استفدت من هذا الاجتماع بطريقة فتحت لي آفاقا لأفكار ملهمة، حين تتبلور سأعرضها عليكم فأنتم أساسها.

تُختتم أعمال الاجتماع ، بقراءة التوصيات من قبل مقرر الاجتماع أيمن

 

ما زال دوي تلك اللحظة التي تلت انتهاء الاجتماع في ذهن د.سالم ، واختلط ذلك بدوي الًأصوات يوم معسكر العصف الذهني، يتنهد د.سالم وهو يتذكر تلك الأيام.

 

يتحرك د.سالم من مكانه، ويذهب ليجلس على الكرسي في صدر طاولة الاجتماعات، يستند للوراء ويعود في انغماسه في تذكر ذكريات أيامه الأولى في الشركة.

 

التقى أثناء جولته التي قام بها أول يوم بذلك الموظف الذي بدت على ملامحه الخطوط المتوازية الغائرة في جبينه والتي تدل على جهد وكد عظيم في شبابه، ولكن ليس من الصعب على أي شخص ملاحظة ذلك الوميض في عينيه المترهل جفنها والذي يوحي بذكاء ما.

صافحه د.سالم وسأله : الاسم الكريم ؟

الموظف : معك المهندس جمال .

د.سالم: يبدو أنك من أعمدة هذه الشركة القوية، يا مهندس جمال ؟

جمال : كن صريحا أيها السيد ، لا داعي للمجاملة ، قل إني ” شايب ” الشركة وجاء وقت الشباب ، قالوها المديرين التنفيذيين قبلك ، لو الأمر بيدهم كان “قطوني” بالبحر ؟

تسمّر د.سالم قليلا في مكانه، وتشكّل افتراض سريع في ذهنه أن جمال يحمل رواسب نفسية من التلميح السابق بإستبعاده من الشركة وهو ما شكّل ردة فعله الجافة هذه، فاستجمع بديهته التي تعثرت بين لحظات تأمله وقال مداعبا جمال : ومن نكون ومن تكون هذه الشركة بدون أمثالكم، كلما ازددت عمرا ازددت في الفكر نضجا، يا “شايبنا” أنتم كتاب نتعلم منه ونرتقي به .

جمال : كلها سنتين و” تقطوني “.

د.سالم:  تقصد ، كلها سنتين وسنحترق ألما لخسارتك .

 

عندما عاد د.سالم إلى مكتبه يذلك اليوم،  كان من أول ملفات الموظفين التي طلب الاطلاع عليها، ملف أيمن السكرتير الحالي له وملف جمال .

اطلع على ملف جمال ليكتشف أنه مرّ بجلسة تأديب من قبل اللجنة القانونية بعد ثلاث سنوات من عمله بالشركة، نتيجة انتقاده سياسة الشركة الداخلية في التعامل مع الموظفين ، ولاحظ من خلال سيرته الذاتية و تقارير الكفاءة التي رفعت عنه المهارات العالية التي يتمتع بها، وانتبه لانعدام الملف على ما يدل عن انضمامه لفرق عمل في مشاريع تتطلب نفس مهاراته أغلق د.سالم الملف ووضع عددا من الاستفسارات، التي وجد إجابتها لدى رئيسه جمال بعد اجتماع رؤساء الإدارات ذلك الأسبوع ، ليخلص لنتيجة أن استبعاده من اللجان كان بسبب نقده للسياسات الجارية على لسانه دوما، وأن الإبقاء عليه في الشركة لامتلاكه مهارات يفتقدها الكثير من الموظفين ، وكانت السياسات السابقة تُقصيه وتبعده عن الاحتكاك بعدد كبير من الموظفين والاستفادة من قدراته بشكل فردي في نفس الوقت .

قرر د.سالم أن يكون جمال أول شخص يضمه لفريق التغيير، ليس لأن رئيسه جميل اقترح ضم فئة من القوى المعارضة واقترح اسم جمال، وإنما الحاجة لخبراته ، والحاجة لجرأته في النقد فهو نموذج لموظفين لا يحب أن يراهم بعض القادة، و لكن فعلا إقصاؤهم سيؤخر التغيير ، وبما أن نقده بناء لا يستهدف توليد معارضين وصنع صراعات ، بدليل مقترحاته الإبداعية و إضفاء الفكاهة التلقائية على انتقاداته، فهو بمثابة تشخيص مؤلم لجسم الشركة في سبيل صحتها وسلامتها من الضرر.

 

هنا لا شعوريا سالت دمعة د.سالم على خديه، فالتحول الذي أحدثه في تغيير سلوك أيمن وجمال بمثابة أعظم إنجاز له ، لأنه لم يغيّر أداء فقط وإنما ولّد شخصية مختلفة يشهد الجميع بذلك، هنا نهض د.سالم من مكانه بإتجاه تلك اللوحة على الحائط والتي تضمنت عبارة: ” حين تكون قائدا لا يُشترط أن تكون قريبا من الموظفين جسديا، ولكن يجب أن تكون قريبا منهم عاطفيا”

 

استطاع د.سالم بث روح عاطفة القائد في الشركة من خلال DNA التنظيمي، والذي اكتمل تطبيق كامل قواعده في خمس سنوات كانت بذرته النقية ذلك المعسكر الذي كان له دور كبير في كسب رضا الكثير من الموظفين ، وبعد ست سنوات بدأ يشعر كل زائر للشركة أصالة النظام الوراثي الذي تمتلكه،

 

علت أصوات عند باب حجرة د.سالم ، يخرج من الغرفة مسرعا، ليجد أيمن يجاهد لمنع الموظفين من الدخول عليه، تعالت هتافات الغضب بإقالته، وهنا يخاطبهم د.سالم قائلا :

أرجوكم إهدأوا، لقد عملت معكم من أجل استدامة هوية للشركة متميزة تبقى بزوال القادة، واليوم مع شكري وتقديري لحبكم، لا تجعلوني أشعر بالفشل بعد جهد سبع سنوات معكم، كان لكم الفضل بعد الله في الإشارة بالبنان للشركة، إقالتي ليست نهاية المطاف، فمن بعدي يكمل المسير ولن يتغير طريق تجذرت ثقافة DNA التنظيمي في كل خلية من خلاياه، أفخر بكم وسأظل كذلك حتى بعد مغادرتي، هدأ الجميع  بعد هذه الكلمات البسيطة ولكنها عميقة في نفوسهم، عادوا لمكاتبهم ،

 

بعدها بنصف ساعة لملم د.سالم حاجياته كاملة، احتضن أيمن الذي كان ينتظره عند الباب، قال له د.سالم: أنت أخي وغالي على قلبي يا أيمن، خذ مني هذه النصيحة الأخيرة، لا تجعل عميل خارجي أو داخلي يستفزك في موقف هو الموقف الوحيد الذي خانتك فيه أعصابك، فيصوّرك ظالما ويظهر هو بثوب المظلوم ، فتحكم عليك بعدها السوشيال ميديا بنهاية تاريخ كنت أنت الشرف له، فتُقال وتُحال للتحقيق، غادر مسرعا خوفا أن يلاحظ أحدا دمعة يُغالب د.سالم سقوطها.

 

ليلى الصيفي @L_alsaifi

شاركها
  •  
  •  
  •  
  •  
  •  
  •  
  •  
  •  
  •  
  •  

8 thoughts on “DNA التنظيمي، طريق بناء الهويّة المميّزة للمنظمات

  • at 2:43 م
    Permalink

    السلام عليكم
    مقال رائع ينم عن ذكاء وحنكة ورؤية ثاقبة
    اعجبني نظام DNA وربطة بالتنظيم والتطوير
    بقواعده الاربع
    سلمت الايادي

    Reply
  • at 9:39 م
    Permalink

    مقال .. كلمة رائع قليلة عليه ، ولكنه إبداعي ومنهجيته علميه وبيولوجية لا يكتب بهذه الطريقة إلا صاحب فكر شامل .
    تحياتي لك .👍

    Reply
  • at 8:41 ص
    Permalink

    كتبتي فابدعتي …وأدرتي فتميزتي
    مقال في قمة الروعة 👌ويعطي منهجية علمية حديثة للإدارة الناجحة
    دمت لنا ودام تالقك الدائم 💚

    Reply
  • at 3:22 م
    Permalink

    مبهرة كعادتك.
    متفردة الرؤى
    حرة الكلمة
    مجنحة الافكار
    أنت ليلى الصيفي منبع المعرفة و الثقافة
    كلي اعجاب بطرحك المتميز

    Reply
  • at 3:58 ص
    Permalink

    رائع بروعتك وجمال فكرك وطرحك منهجية قائدة فذة بمعنى الكلمة

    Reply
    • at 5:32 م
      Permalink

      منى العصيمي
      رائع جدا متعة و مغزى اقترح تتطور إلى كتاب

      Reply

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

جار التحميل...