مفهوم الصَّمم الإداري

اقترن في أذهاننا أن الصَّمم مرتبط بالأذن فقط، وهو فقدان حاسة السمع. لكن في لغتنا العربية، الصّمم قد يكون له أوجه أخرى تتعدى حاسة السمع. الصَّمم عن حديث الغير، كما جاء في المعاجم، هو الإعراض عنه لعدم الرغبة في سماعه. هذا المعنى وظفهُ أحد الشعراء، حيث قال “أَصَمُّ عما سَاءه سَميعُ” أي يتصامم عما يسوؤه، فكان كأنه لم يسمع، فهو سميع ذو سمع، أصم في تغابيه عما أريد به. وفي نفس السياق، يحضرني هنا، بيت شعر قاله أبو تمام: ” ليس الغبي بسيد في قومه، لكن سيد قومه المتغابي”. ويقصد بهذا ان السَّيد هو الشخص الذي يتميز عن الباقين بأنه قد يفقد إحدى أو بعض حواسه في مواقف معينة. حتى لا ينجرف مع ضغط الموقف وشدته ويأخذه الى منحىً آخر، ومن ثم يأتي بفعل قد يندم عليه مستقبلا.

 

مما لا ريب فيه، أن كل شخص منا هو سيد نفسه ومسؤول عن سلوكه وتصرفاته أيضا. والسادة في بيئة العمل هم الأشخاص الذين يحملون على عاتقهم مسؤولية أشخاص آخرين كثر عددهم أو قل. من كان مسؤولا، قد يصادف مواقف متعددة تتطلب منه استحضار ما أسميه ” الصّمم الإداري”، لا لضعف أو تهرب من المسؤولية ولكن لإعطاء نفسه الوقت الكافي ليتمكن من اتخاذ القرار الصحيح.

أحد أهم الحالات التي تجعل الصّمم الإداري حاضرا وملزما، هو عندما يتكاثر حول المسؤول أشخاص لديهم الاستعداد للتشويش عليه بغية الحصول على مكاسب شخصية ولو على حساب المصلحة العامة. القلة من هؤلاء موجودون حولنا ويعيشون بيننا، لا تحكمهم القيم بل المصلحة الشخصية حتى لو اضطروا لإيذاء الآخرين. يتمحور أُسلوبهم على التشويش على المدراء ونشر الشائعات وكثرة القيل والقال، للتقرب من المسؤولين وإلحاق الضرر بزملائهم. هنا من المأمول أن يكون “الصّمم الإداري” حاضرا إلى أن يتم التأكد مما يُستقبل من معلومات. قال تعالى في سورة الحجرات: (يا أيها اللذين آمنوا إن جاءكم فاسق بنبأ فتبينوا أن تصيبوا قوما بجهالة فتصبحوا على ما فعلتم نادمين) آية 6.

من المواقف الأخرى التي تتطلب ممارسة الصّمم الإداري، هو عند التعامل مع المجادلات اللانهائية، وخصوصا في النقاش أثناء الاجتماعات الدورية أو ورش العصف الذهني. ديدن البعض هو الجدل لغرض الجدل والانحراف عن الموضوع الأساسي، لعرقلة الوصول إلى نتائج إيجابية والخروج بتوصيات ملزمة، اتقاءً للمحاسبة بعد ذلك.

نختم بالتأكيد على الاستفادة من إرثنا التاريخي الذي يحمل لنا في جعبته الكثير من الموروث القصصي، الذي يبن لنا كيف مورس ” الصمم الإداري” باحترافية كبيرة. هنا يقفز الى أذهاننا الأحنف بن قيس، سيد الحلم العربي. له في التراث الكثير من المواقف التي تبين لنا أهمية التحلي بالحلم وتجاوز اللحظة بالصبر والصمت والاناة. من مواقفه المشهورة، إن رجلا خاصمه وقال: لئن قلت واحدة لتسمعن عشرا، فقال له ألأحنف: لكنك إن قلت عشرا، لم تسمع واحدة.

 

أ. محمد النفاعي

@msnabq

 

شاركها
  •  
  •  
  •  
  •  
  •  
  •  
  •  
  •  
  •  
  •  

52 thoughts on “مفهوم الصَّمم الإداري

  • at 7:07 م
    Permalink

    مقال ممتاز الله يعطيك العافيه

    Reply
  • at 7:10 م
    Permalink

    جميل جدا بابو عبدالله ،،

    Reply
  • at 7:10 م
    Permalink

    مقال جيد ما شاء الله تبارك الله

    Reply
  • at 7:14 م
    Permalink

    رائع ومميز ماشاءالله

    Reply
  • at 7:20 م
    Permalink

    مقال رائع بتوفيق ان شاء الله

    Reply
  • at 7:21 م
    Permalink

    الصمم الاداري يعتبر حل اشبه مايكون في التعامل مع المشكلات الاسرية يتطلب الحلم وسعة الصدر والتروي خلف ما سياره من أحكام او التجاهل اقرب مايكون حلا سريعا دون الدخول في دوامه الظلم وغيره وهذه من صفات القيادة الادارية

    Reply
  • at 7:21 م
    Permalink

    بتوفيق ان شاء الله

    Reply
  • at 7:23 م
    Permalink

    أسلوب سهل ومميز كالعاده

    Reply
  • at 7:25 م
    Permalink

    مقال رائع ويحاكي الواقع وبالتوفيق

    Reply
  • at 7:29 م
    Permalink

    مقال مميز والي الامام اباعبدالله.

    Reply
  • at 7:33 م
    Permalink

    مقال رائع باسلوب شيق وماتع

    Reply
  • at 7:35 م
    Permalink

    ما شاء الله تبارك الله – مقال جميل جدا

    Reply
  • at 7:36 م
    Permalink

    ” ليس الغبي بسيد في قومه، لكن سيد قومه المتغابي” <== لو قلت هذا فقط لكفى! مقال رائع

    Reply
  • at 7:36 م
    Permalink

    مقال جداً رائع في زمننا هذا.

    Reply
  • at 7:38 م
    Permalink

    القائد يحتاج للتأني والحلم ليتمكن من إتخاذ القرارات الصحيحه
    مقال جميل جدا

    Reply
  • at 7:38 م
    Permalink

    مبدع كالعادة. بارك الله فيك ونفع بعلمك

    Reply
  • at 7:47 م
    Permalink

    مقال رائع .. سلمت يداك

    Reply
  • at 7:52 م
    Permalink

    ماء شاء الله مقال روعه فعال باالمجتمع👍❤️

    Reply
  • at 8:12 م
    Permalink

    مقال مميز يحتاج له كثير من القياديين وكيفية التعامل مع مع الموظفين والزملاء والمحادلين
    شكراً / محمد النفيعي

    Reply
  • at 8:21 م
    Permalink

    تسلم يدك على هذا المفال

    Reply
  • at 8:23 م
    Permalink

    مشاء الله مقال رائع جدا

    Reply
  • at 8:23 م
    Permalink

    مقال يضع يده على المفارقات

    Reply
  • at 8:23 م
    Permalink

    مشاء الله مقال رائع جدا

    Reply
  • at 8:24 م
    Permalink

    من الجميل دمجك قصص التاريخ التراثية… في نظريات الإدارة الحديثة.
    أبدعت أستاذنا أبو عبدالله

    Reply
  • at 8:34 م
    Permalink

    مقال جدا رائع و مجال تطبيقه جدا واسع في جميع نواحي الحياة.
    و لكن لابد من الاستماع للكل بدون اخذ قرارات لحظية قد تكون مستعجلة و تأتي بنتائج عكسية.
    شكرا على هذا المقال المختصر المفيد.

    Reply
  • at 9:21 م
    Permalink

    مقال ممتاز الله يعطيك العافيه بوعبدالله وكلك خير وبركه

    Reply
  • at 9:25 م
    Permalink

    للاسف ان الصمم الاداري غير محبب لدى الكثير من المسئولين… ولا يحس باهميته الا بعد فوات الاوان…. حينها لا ينفع الندم

    Reply
  • at 10:30 م
    Permalink

    مبدع كالمعتاد أ.محمد👍🏼

    Reply
  • at 10:45 م
    Permalink

    مقال أكثر من رائع .. 👍🏻

    Reply
  • at 11:38 م
    Permalink

    مقال رائع و يناقش مشاكل إدارية

    Reply
  • at 12:09 ص
    Permalink

    مقال ممتاز وعسى ربي يوفقك

    Reply
  • at 12:28 ص
    Permalink

    مقالة جميله يعطيك العافية .. لقد استفدت منها كثيرا

    Reply
  • at 9:51 ص
    Permalink

    مفال رائع واستشهادات منتقاه بعنايه

    Reply
  • at 10:01 ص
    Permalink

    جزاك الله خير اخ محمد مبدع كالعاده بارك الله فيك وفي عملك

    Reply
  • at 11:38 ص
    Permalink

    مقال ممتاز الله يعطيك العافيه

    Reply
  • at 7:49 م
    Permalink

    شكرا للكاتب…

    Reply
  • at 11:33 ص
    Permalink

    جميل جدا بابو عبدالله ،

    Reply
  • at 10:14 م
    Permalink

    مقال رائع جداً

    Reply
  • at 9:50 م
    Permalink

    “لكن سيد قومه المتغابي”.

    Reply
  • at 7:03 م
    Permalink

    شكرا لتفاعل الجميع و مروركم الرائع….
    مع تحياتي للكل

    Reply
  • at 4:59 م
    Permalink

    جميل جدا بابو عبدالله ،،

    Reply

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

جار التحميل...