مرض المنشآت الصغيرة

    اتجهت الحكومات مؤخراً إلى تعزيز دور المنشآت الصغيرة والمتوسطة في القطاع الخاص والعمل على تقوية ركائزها وتعميقها في صلابة ارضية الاقتصاد الوطني. بل إن المؤشرات العالمية لقياس اداء تلك المشروعات أو المنشآت أصبحت ذات أثر بارز في تقييم اقتصادات الدول والحكم بمتانته واستقراره أو هشاشته وضعفه. إن المنشآت الصغيرة في معظم الدول تجمع ما يتجاوز نصف المنشآت العاملة في القطاع الخاص على أقل تقدير فتضم نسبة كبيرة من العاملين في ذلك القطاع. وقد ركزت الهيئات الدولية والاقليمية على الدراسات الاقتصادية التي تحسن من مستوى انتاجية تلك المنشآت الصغيرة وترفع من مستواها التنافسي ومن مساهمتها في الناتج المحلي. فوضعت الضوابط التي تساعدها على تنميتها وتمويلها وحمايتها من السوق المفتوح, الذي تسيطر عليه قوى المنشآت الكبيرة فتبسط نفوذها على الضعيف مما يفقده منشأته الصغيرة فيصبح عاطلاً وعالة على المجتمع العام.

     إن المنشآت الصغيرة في المملكة العربية السعودية حظيت بالرعاية الحانية من الحكومة الرشيدة, فصدرت القرارات الكريمة بتشكيل الهيئة العامة للمنشآت الصغيرة والمتوسطة (منشآت) عقب انطلاقة الرؤية السعودية ضمن التغييرات التطويرية للهياكل التنظيمية في القطاعات الحكومية. وبما يتوافق مع أهداف واستراتيجيات رؤيتنا الطموحة. وقد حدد الغرض من تأسيس (منشآت) في تنظيم وتنمية ودعم ورعاية هذا القطاع الاستراتيجي لاقتصادنا ورفع مساهمته في الناتج المحلي الإجمالي كما هو مخطط له من 20% إلى 35% بحلول عام 2030م. وصنفت الكيانات ضمن هيئة (منشآت) إلى ثلاثة أشكال منها, منشآت متناهية الصغر وهي ما كانت تضم خمسة أشخاص فأقل وإيرادها أقل من ثلاثة ملايين ريال, ومنشآت صغيرة وهي ما كانت تضم أقل من تسعة وأربعين شخصاً وإيرادها أقل من أربعين مليوناُ ريال, ومنشآت متوسطة وهي ما كانت تضم أقل من مائتين وتسعة وأربعين شخاصاً وإيرادها أقل من مائتي مليون ريال. ودور منشآت الريادي بارز لا يحجبه حاجب تتقدم بخطى ثابتة إلى كل مستقبل مشرق.

    نركز هنا في حديثنا على الشكلين الأولين منهما وهما المنشآت المتناهية الصغر والصغيرة فقط, والتي وجهت لها الحكومة -كما وجه لغيرهما- حزمة من قرارات الدعم المالي والنقدي التحفيزي لتحافظ على استقرارها في السوق المحلي في مواجهة التقلبات الاقتصادية التي اجتاحت السوق العالمي جراء جائحة كورونا وما لحق بها من اجراءات احترازية. ومن قراءات التقارير الاحصائية -ليست دقيقة جداً- قد تتجاوز أعداد العاملين نظامياً بتلك المنشآت الصغيرة ببلادنا ثلاثة ملايين ونصف المليون من مختلفي الجنسيات تقريباً, وقد يمثل المواطنون منهم ما يصل إلى ستمائة ألف موظفاً بنسبة تقارب ثلث العاملين السعوديين. وهذا رقم كبير يشكل عبئاً على الاقتصاد المحلي ويتطلب التدخل لتصحيح وضعه قبل التعثر.  

  إن المتواجد بسوقنا في أوقات الرخاء يسمع كل جميل عنه ويشاهد كل حميد فيه, حتى لا يتبادر لذهنه أنه ذلك السوق الذي يسقط قبل أول ثانية في حلبة ملاكمة مع نسائم أزمة وليس أعاصير وكوارث وجوائح. لقد ترنح الكثير من المنشآت الصغيرة في سوقنا المحلي منذ سماع الجائحة حتى وإن لم تمسها بسوء. ولقد بادرت وسابقت الحكومة الرشيدة مشكورة مع ظهور جائحة كورونا بإعلاناتها المتوالية عن دعمها المالي والنقدي, والتي وجهته للمؤسسات المالية والتمويلية لكي لا تمس شيء من حقوقها المستحقة للسداد على تلك المنشآت الصغيرة. دفعت الحكومة المليارات لشركات الوساطة المالية والمصرفية وشركات شبكات المدفوعات وألغت الرسوم المصرفية على العمليات البنكية لخدمة مدفوعات المنشآت الصغيرة. كما أعفت عن الرسوم المقررة كمقابل مالي عن الوافدين بتلك المنشآت الصغيرة وحتى أربعة وافدين. قدمت باقات من الاعفاءات والتجاوزات من قبل الهيئة العامة للزكاة والدخل. أجلت مبالغ سدادات اشتراكات السجل التجاري المنتهية خلال الأزمة ولعدة أشهر. وغير ذلك من الدعم الذي أعلن عن طريق برامج هدف أيضاً للباحثين عن العمل وعن فاقدي عملهم من المواطنين.

    لقد شهد اليوم الأول من شهر مايو الحالي ما أعلنت المؤسسة العامة للتأمينات الاجتماعية عن ضخ مليار ومائتي مليون ريال كدفعة الدعم الأولى من تعويض ساند لشهر ابريل في حسابات ما يزيد عن أربعمائة ألف مشترك سعودي من ثمانون ألف منشأة, ويمثلون ما يزيد عن 23% من العدد الكلي للمشتركين السعوديين بالقطاع الخاص بالتأمينات الاجتماعية. مما يعطينا نتيجة أن العدد الكلي للمشتركين السعوديين يزيد عن مليون وسبعمائة ألف مشترك, وأن متوسط كل منشأة دعمت يمثل خمسة موظفين سعوديين. منهنا نلحظ أن الدعم الحكومي وجه معظمه إلى المنشآت الصغيرة والتي يتكرر منها التذبذب والسقوط مع كل صدمة, وجائحة كورونا لا زالت قائمة ولا نعلم متى سيستقر السوق العالمي؟ وهل هذه ستكون آخر أزمة لسوق المنشآت الصغيرة؟.

    مما سبق عرضه يظهر أننا أمام سوق لم يحكمه تنظيم واضح أو قيم وأخلاق مهنية موحدة, وقد لا تحضر المهنية والشفافية والثقة بين ملاك المنشأة والعاملين فيها, سوق قائم على الربح السريع والخوف الدائم والهروب من الخلف, فلا تجد مالك المنشأة يرتقي بالموظف أو بالعامل معه في تدريبه وتقدير ذاته وتطويره للعمل بالسوق, وفي الجهة الأخرى لا تجد ذاك الموظف المتوقد التزاماً والممتلئ ولاءً لمنشأته المحب لمهنته والحريص عليها. إننا أمام غياب غريب للمنشأة الصغيرة , لا نقول إننا أمام كيانات وهمية بل هلامية… فليس لعدد من تلك المنشآت الصغيرة مكاتب معروف أو مقرات موثوق. منها منشآت انحصرت في ورقة سجل في حقيبة معقب, أو مع وكيل عن سيدة, أو في دفتر عقود وختم في جيب وافد, يختزل دورهم في التوطين الوهمي, والمتاجرة بالتأشيرات, وتحصيل المبالغ الشهرية من الوافدين, يلاحقون كل فرجة في النظام, وغيرها من مخالفات تمس الأمن الوطني معروفة ومثبتة لدى جهات الضبط والتفتيش بمكاتب العمل وفروع التجارة بشكل يومي. فلن يصلح الدعم الحكومي لبعض تلك المنشآت في كل أزمة ما أفسدته السنين في ذلك السوق حتى أصبحت ثقافة عامة عند جيل من أبنائنا, المنشأة الصغيرة عمل من لا عمل له.

  خبرة مستشار  

       أيها المخلص الحريص على أن تشارك في غرس أساسٍ ثابتٍ لهذا القطاع العريض والمفصل المتين في عجلة التنمية. إن الدور القادم مناط بالإتقان والتجويد في العمل التطويري والتنظيمي والتنسيقي لكي ننهض بالمنشآت الصغيرة التي قد تصل إلى ثلثي منشآت القطاع الخاص بالسوق السعودي. واطرح آراءً علها تجد أذن صاغية وفق ما يلي:

  • اعتماد تصنيف تفصيلي لكل الأنشطة في منشآت مع ضرورة توحيدها وربطها بين كافة القطاع الحكومية والمؤسسات والهيئات العامة والخاصة حتى يسهل التبويب لبياناتها, وعمل الاحصاءات عليها , وتسهل دراستها وقياسها وادارتها, ويتاح تقييمها وتوجيهها وفق نتائجها الواقعية, وتساعد الحكومة على إدارتها والسيطرة عليها وقت الأزمات.
  • زيادة الدور التكاملي بين الجهات الاستشارية والاحصائية ومنشآت حول عرض الأرقام الحقيقية المحدثة وبشكل دوري لمختلف تصنيفات المنشآت, وفتح المجال التطوعي لدراستها والرفع بما يعزز من تحسين الدور المأمول منها لتحقق أهداف الرؤية 2030منها, ويرفع من مساهمتها في الناتج المحلي.
  • اعادة تصحيح ملكية المنشآت الصغيرة ذات الأنشطة المهنية والفنية وعدم تأسيسها إلا لمواطن/ة حاصل على شهادة فنية أو مهنية معتمدة ومتفرغ للعمل بها ومسجل على سجلها بالتأمينات الاجتماعية, كما يمنع استغلال اسماء أفراد الأسرة أو العائلة الذين لا يمارسون ادارة المنشأة فعلياً كالأب والأم أو الزوجة والبنت, ومنع قبول الوكالات الشرعية لمثل تلك الأنشطة حتى نحد من التستر والاستعمال والاستغلال غير المشروع, ولا يبقى في السوق إلا المنشآت الحقيقية.
  • منع افتتاح أكثر من نشاط لمنشأة صغيرة لمالك واحد إلا بمدير مستقل ومتفرغ للعمل على ادارة ذلك النشاط ومسجل على سجلها بالتأمينات الاجتماعية. مع حصر امكانية فتح الفروع على المنشآت المتوسطة أو الكبيرة قادرة على التغلب على الأزمات.
  • الرفع من مستوى الثقافة التنظيمية في المنشآت الصغيرة لمواجهة الأزمات التي قد تنشأ في أي سوق وفي أي زمان, ورسم أطر لها لتكون داعمة للرؤية الوطنية ومعززة للأمن الوطني ومحفزة على التوطين, مع الزام ملاك وموظفي تلك المنشآت الصغيرة بحضور ندوات وبرامج تثقيفية وتدريبية واستشارية تنشيطية وبشكل دوري لدى مراكز خبرة معتمدة لدى منشآت لتحقيق تلك الثقافة التنظيمية المستدامة بين منشآت ذلك السوق الاستراتيجي.
  • تجهيز قوائم التميزين على صفحة منشآت المفتوحة يعرض فيها من حقق أهدافه من تلك المنشآت الصغيرة, ليعطى الأولوية في اقتناص فرص استقطاب الباحثين عن عمل أو جهات الدعم والتمويل والتوسع والاستثمار, ومثلها قوائم للمخفقين المقصرين لكي يصحح وضعه أو يخرج من السوق.

 أدام الله علينا أمنه ورخاءه, وزادنا وإياكم توفيقاً وسداداً…..

 

د/ عبدالسلام شايع القحطاني

 مستشار اداري – مستشار أمني

مدرب معتمد (اداري/ مالي/ اجتماعي/ تطوير ذات)

 @abdalsalam_sh  

شاركها
  •  
  •  
  •  
  •  
  •  
  •  
  •  
  •  
  •  
  •  

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

جار التحميل...