ما وراء الإدارة

 

العلوم تتطور حسب متطلبات العصر وتحولاته ومنها علم الإدارة. لذلك أرى أن مفهوم Meta Management  أو “ما وراء الإدارة” سيظهر على السطح قريبا لاستدامة الإنتاجية وللمساعدة على التعامل مع ما استجد من تحولات سريعة مصاحبة لما نعيشه من آثار لجائحة كورونا والثورة صناعية الرابعة وتأثيرهما على العالم أجمع.

مِيتَا meta كلمة يونانية تدل على “بجانب، مع, بعد، التالي”، وفي اللغة الإنجليزية تستخدم للدلالة على “ما وراء أو على شيء واقع وراء نطاق الخبرة البشرية”. أما في اللغة العربية، فمعجم المعاني يعرفها على أنها “بادئة معناها: ما وراء؛ ما بعد؛ أعلى”.

في البداية، اعتقدت أن المفهوم الكامن وراء هذه الفكرة ليس جديدا ومبتكرا، كحال ميتا داتا metadata (البيانات الوصفية) في علم البيانات أو الميتافيزيقا (ما وراء الطبيعة) في علم الفلسفة. ولدهشتي، لم أجد الكثير من الأبحاث والمصادر التي تثري أو تتحدث عن هذا المفهوم مما أكد لي أنه مفهوم جديد وناشئ. ولكن ما أود طرحه هنا هو سلوكيات أساسية إدارية داعمة للمضي قدما للوصول الى “ما وراء الإدارة”.

قبل أن أستعرض بالتحديد أربع سلوكيات ،أود مشاركتكم قصة حدثت لي منذ  في بداية حياتي المهنية. كنت حاضرا أحد الاجتماعات وكان أعلى هرم الاجتماع هو المدير العام. في نهاية الاجتماع، أبدى المدير الاستياء من طريقة عمل المهندسين بشكل عام. وقال بما معناه لماذا تحولتم من مهندسين الى كتابا فنيين Technical Clerks، وكانت ملاحظة قاسيه على الجميع في نغمتها وزمانها ومكانها. تحدث عن التقصير في أداء مهمات كالابتكار والمبادرات والابداع وتحسين الإنتاج. تكلم بطريق غير مباشر على الركون الى منطقة الراحة أو ما يعرف بي comfort zone والاكتفاء بالمهمات الروتينية.

بعد الترقي في السلم الوظيفي والتعامل مع كثير ممن تقلدوا مناصب إدارية على مختلف المستويات والثقافات، أيقنت أن هناك قصورا أيضا من بعض المدراء ومنهم ذلك المدير العام. حيث أصبحوا أقرب إلى كونهم مراسلين Messengers أو مشرفين فنيين Technical Admins وكحلقة وصل فقط بين المستويات الإدارية المختلفة، إما باختيارهم او بدون أن يعرفوا ذلك . مما أدّى إلى نتائج غير محمودة على المرتكزات الثلاث لأي منظومة (الناس، سير العمليات، التقنية) بشكل عام.

هؤلاء السلوكيات الاربع أراها مهمة لتجنب الوقوع في هذا التصنيف الإداري وتنأى بالإداري عن ما يعتريه من قصور مهني قد يؤثر على من يرأس بطريق مباشر أو غير مباشر. السلوكيات كالتالي:

 

  • صناعة القرار decision making

التحلي بالانضباطية والوضوح في التفكير عند اتخاذ القرارات المهمة. من المعلوم في علم الإدارة صنع القرار دائما يكون محفوفا بالمخاطر. لكن عدم اتخاذ أو التردد في صنع القرار يكون أسوا من ترك الأمور على ماهي عليه. ما يقوم به القادة عادة، هو تحمل المسؤولية لحسم الأمور، ولديهم الشجاعة لاتخاذ القرار بعد القيام بالخطوة الأهم، وهي الالمام بالمعلومات والترحيب والاعتراف بأفكار ومدخلات الآخرين وجمعها لضمان اشتمال وجهات نظر متعددة للصالح العام. يقول روبن شارما «في بعض الأحيان النجاح ليس اتخاذ القرار الصحيح، بل في اتخاذ القرار».

 

  • التعاون collaboration

الالتزام بالعمل نحو الأهداف المشتركة مع الزملاء في جميع أنحاء المنظومة. التعاون المنضبط أو المنهجي هو عملية مستمرة لتحديد فرص التعاون، وخلق أهداف مشتركة وإزالة العوائق التي تمنع الأفراد من العمل معًا بفعالية. التعاون هنا، يعوض عن الضعف الفردي ويقضي على الانانية ويزكي روح الفريق داخل المنظومة مما يعزز فرص النجاح.

 

  • التمكين empowerment

منح الأفراد مسؤوليات لتحقيق النتائج ومساعدتهم على التغلب على المشكلات الرئيسية. الملاحظ هو القصور في فهم التمكين واختزاله على كلمة FYA فقط. فهو لا يعني ان تكون مراسلا لرئيسك والقاء المهام على المرؤوس بدون تهيئه فهذا ليس تمكينا. التمكين كما عرفه مرديث وموريل في كتابهم “تمكين الموظفين” بأنه “إعطاء سلطة وصلاحية لشخص ما ليتولى القيام بمسؤوليات أكبر وأوسع من خلال التدريب والثقة والدعم العاطفي”.

 

  • التواصل البناء constructive conversation

الانتظام في التواصل مع الآخرين بشأن التوقعات منهم ومناقشة الأداء ووسائل تطويره. تساعد ردود الفعل المؤثرة والبناءة المتلقي على فهم ما فعله وتأثير سلوكه على الآخرين. عندها تتحسن لديه القدرة لاتخاذ إجراءات لتغيير سلوكه إلى الأفضل في المستقبل القريب.

 

ختاما، لنتأمل “ما وراء” هذا الحديث الشريف. فقد صح عن الرسول عليه أفضل الصلاة والسلام – أنه قال: (إنما بعثت لأتمم مكارم الأخلاق).

م. محمد النفاعي

@msnabq

شاركها
  •  
  •  
  •  
  •  
  •  
  •  
  •  
  •  
  •  
  •  

20 thoughts on “ما وراء الإدارة

  • at 9:51 م
    Permalink

    مقال رائع بالتوفيق

    Reply
  • at 9:53 م
    Permalink

    مقال ممتع ومفيد بارك الله في الكاتب

    Reply
  • at 10:06 م
    Permalink

    مقال رائع كالعادة، فعلا الأخلاق هي أساس التضامن وأساس العمل.

    Reply
  • at 10:14 م
    Permalink

    مقال رائع احسنت

    Reply
  • at 10:57 م
    Permalink

    وفقك الله والى الأمام ان شاء الله

    Reply
  • at 11:01 م
    Permalink

    وفقك الله والى الامام بو عبدالله

    Reply
  • at 11:04 م
    Permalink

    Leading army needs leaders not managers. Also, teamwork need the same

    Reply
  • at 11:24 م
    Permalink

    مقال جميل يستحق القراءه

    Reply
    • at 3:18 م
      Permalink

      اربع نقاط ادارية مهمة جدا و يجب تعزيزها خصوصا في الجيل الصاعد، ما كان فعالاً بالامس قد لا يخدمنا في المستقبل ?

      Reply
  • at 1:51 م
    Permalink

    مقال رائع من كاتب متمكن.، اتمنى تمكين امثال صاحب المقال في مجالات اخرى تعرد بالفائدة للبلد

    Reply
  • at 10:43 م
    Permalink

    ما شاء الله جميل

    Reply
  • at 10:43 م
    Permalink

    ما شاء الله جميل

    Reply

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

جار التحميل...