ماذا استفدنا من البقاء في المنزل؟

 

   الكل منا يتابع عن كثب ما يدور في العالم من شرقه إلى غربه حول هذه الجائحة. هذه الأزمة التي ولدت في شرق الأرض وكبرت في غربها. أزمة لم تترك دولة ظاهرة على الخريطة السياسية إلا أصابتها. منذ إعلان منظمة الصحة العالمية منتصف يناير المنصرم عن ظهور مرض كورونا في الصين بدأت الأخبار تتواتر حول ذلك المرض, وأعراضه وأسبابه, ورقعة اتساعه, وأضراره. وفي الحادي عشر من مارس الماضي أعلنت منظمة الصحة العالمية وصف مرض فيروس كورونا بالجائحة. بعدها غدت كل القنوات تذيع بالأرقام المحدثة للمصابين والمتعافين والوفيات بشكل مستمر على مدار الساعة, وعقدت الدول والحكومات المؤتمرات الصحفية للمسئولين بشكل دوري تطلق من خلالها خططتها لمواجهة ذلك الداء الذي لم يملك له دواء بعد.

  ونحن هنا في بلادنا الغالية الآمنة من أوائل الدول التي أولت تلك الأزمة انتباهها منذ بزوغها فقامت القيادة وبشكل مبكر بإجراءات احترازية هدفها الأول أمن الانسان وسلامته. فمن اليوم الثاني من فبراير الماضي تحركت قطاعات الدولة في اجلاء الطلبة والمواطنين من المدن الصينية والآسيوية أيضاً. كما قامت بإجراءات احترازية استباقية علقت معها دخول المعتمرين والزائرين نهاية فبراير وتوقف لحركة النقل الجوي بشكل متدرج. وفي شهر مارس الماضي ومع تسجيل أول حالة اصابة لمواطن سعودي بمرض الكورونا باليوم  الثاني من الشهر, تعاقبت اعلانات الدولة للعديد من الخطوات الاحترازية القوية والجريئة, ففي اليوم الخامس اعادت تنظيم دخول المصلين للصلاة في الحرمين الشريفين, وفي اليوم التاسع علقت الدراسة في كافة مراحل التعليم بأنواعه, وفي اليوم السادس عشر علقت الحضور لمقرات العمل الحكومي والخاص عدا بعض الاستثناءات, وفي اليوم السابع عشر صدر التوجيهات بعدم شهود الصلوات بالمساجد, وفي اليوم السابع والعشرين فرضت منع التجول في المناطق بشكل عام وفق ضوابط لذلك. وها نحن في شهر مايو ولا زالنا في فترة حظر تجول جزئي وفي بقاء تام بالمنزل. وقد وصلت بعض الأسر في التزامهم بالبقاء بمنازلهم قرابة الشهرين تجاوباً من توجيهات الحكومة التي حرصت على سلامة المواطن والمقيم وشملت حتى مخالفي أنظمة الاقامة.

    إن الكثير منا أشغلته دنياه فيما يسعى عليه من تعليم وتدريب وبحث عن مصدر رزق وسفر وسياحة والتزامات اجتماعية ومؤتمرات ثقافية ورحلات تجارية وغيرها مما يشغل فكر الانسان ذكراً كان ام انثى عن أهم ما يملكه. إنها الأسرة وبيته… لو عرضت عليه قبل جائحة كورونا مقترح أن تبقى في بيتك مع اسرتك اسبوعاً أو أسبوعين دون مغادرة, لكثرت التساؤلات عنده, كيف أجلب لهم قوتهم؟ وكيف أتحمل طلبات الأطفال والكبار؟ كيف أتابع تعليمهم؟ وكيف أستطيع جدولة ساعات ذلك الأسبوع مع أسرة تتكون الزوجة من ستة أطفال؟ ماذا أفعل في الصباح الذي اعتدت أقضيه في مكتبي أو سوقي؟ كيف أقضي ليلي الذي جعلته لزملائي ومنتجعي؟ كيف أقرأ كتبي التي اعتدت عليها في المساء؟ كيف امارس رياضتي التي التزمت بها في النادي الصحي كل صباح باكر؟ كيف أقضي نهاية الاسبوع التي ازور فيها أقاربي؟ كيف أتحمل حياتي دون تسوق أو مولات أو سينما أو صالونات؟..  إنه حكم بالسجن مع الأشغال الشاقة!!!!

  الغريب أن كل تلك التكهنات لم تصادفني ابداً كما لم تصادف البعض ممن تواصل معي ونقل لي تجربته مع البقاء بالمنزل. بالفعل لم نصادفها بل اننا نتمنى أنها تمتد أو تتكرر من غير ضرر على الانسانية. لقد تكفلت الدولة المباركة بالكثير من أمورنا وسهلت العديد علينا وعلى غيرنا مع صعوبة الظروف العالمية. ونحن بقينا مع الأسرة فعادت البسمة الغائبة. لزمنا المنزل فصُنا بعض الأعطال التي سوفنا بها سنين رغم بساطتها. جلسنا على موائدنا لأكثر من ثلاثة مرات في اليوم والليلة. تشاركنا الأخبار الجميلة وتذكرنا المواقف الأجمل. أخذنا وقفة تصحيح لمسارنا اليومي البائد الذي أضاع منا روح الأسرة ومودتها تلك التي تعتبر حجر زاوية الوطن وسوره الشامخ. نشطت الذاكرة -أكثر من ذي قبل- بالالتحاق بالبرامج التدريبية والمؤتمرات الالكترونية عبر وسائل التقنية مع تنوع في الاطلاع المعرفي والسلوكي والتطويري. صلوات الجماعة تقام بالمنزل والقرآن والدعاء إلى الله صاعد والرحمة والسلامة إلينا نازلة. برامج ترفيهية ورياضية وثقافية تشاركية بين الأسرة كل ابن أو ابنة تقدم ما تتميز بإتقانه في مختلف المناشط العائلية, أعدنا ترتيب الكثير من أعمال لنا مؤجلة منذ سنوات لم نجد لها وقت نقف معها.

   وقفة إدارية…. 

   هذه الأزمة وقعت بعلم العليم الحكيم وجلاؤها قادم بإذن الكريم الرحيم, ولكن علينا أن نستفد من دروسها في اعادة ادارتنا لمنظمة الأسرة. تلك المنظمة التي تتكون من قيادة الأسرة وهما الأب والأم, والأبناء والبنات الذين حولهم تدور عجلة عمليات المنظمة وأهدافها, نفعل دور القيادة بالقدوة في طاعة ولاة الأمر وتنفيذ توجيهاتهم الراشدة, في التعاون مع الجهات المكلفة بتنفيذ الإجراءات الاحترازية الصحية والمبادرة بالعمل التطوعي معهم عند طلبهم. نعيد النظر في ادارة الوقت الذي كنا نهدره في مكاتبنا, نهدره في تصفح الهواتف والصفحات وسائل التواصل غير الهادفة, نهدره في طرقاتنا, نهدره في سهراتنا, نحرم منه أنفسنا قراءة مخصص يومي من القرآن الكريم أو من الكتاب المفيد, نحرم منه أسرتنا. نراجع مساراتنا التدريبية المهنية والسلوكية بالتنوع الايجابي بتخصيص قائمة برامج عبر شبكات البحث المرئي والمسموع يلتحق بها فريق المنظمة كلاً بحسب مستواه التعليمي وعمره واهتماماته وطموحه.  نخصص للصحة البدنيةساعة للرياضة اليومية داخل المنزل نرفع من خلالها مستوى النشاط الذهني والجسمي للأسرة لتنعم بالصحة والسلامة. نرفع من مستوى الجوانب الذاتية التطويرية في فريق المنظمة من خلال الحوار الهادف والنقاش الشفاف والعمل على تعزيز الأفكار المعتدلة الايجابية وتصحيح الأفكار الخاطئة بهدوء وحزم, نزرع الجميل من القيم في نفوس الأسرة  كالثقة والاتقان.  نقدم لفريق الأسرة دروساً في الوطنية والولاء للقيادة والحب للوطن من الواقع الذي شاهدناه من قيادتنا الحكيمة والرشيدة -خلال هذه الأزمة- وما أنفقته من مليارات الريالات للحفاظ على صحة المواطن في كل بقاع الأرض, نعطيهم المقارنات التي تحدث عنها البعيد قبل القريب والعدو قبل الصديق والمخالف قبل المقيم, والذي أثبتوا بأننا في بلاد الحرمين الشريفين مهبط الإنسانية والعز والسلام.

 

3/5/2020

د/ عبدالسلام شايع القحطاني

 

شاركها
  •  
  •  
  •  
  •  
  •  
  •  
  •  
  •  
  •  
  •  

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

جار التحميل...