كلٌ ميسّر لما خُلق له

تنوّع الاهتمامات والشخصيات والميول طبيعة وفطرة إنسانية، والموفّق من أدرك ذلك وعرف نفسه وبناها باكرًا، وإذا أخطأ الإنسان وجرّب ثم عرف نفسه متأخرًا فلا حرج، فالمطلوب في نهاية المطاف أن نعرف ذواتنا ونفهمها، فعلى سبيل المثال هناك أشخاص درسوا بعض التخصصات لسنوات أو لعشرات السنين وحازوا في ذلك الدرجات العلمية العالية، ثم غيّروا مسارهم في الحياة وانطلقوا يعملون في ميادين جديدة فأبدعوا وتميّزوا.

محطات التغيير في حياة الإنسان متعددة، وأظن أن تغييرين أو ثلاثة في حياتنا مقبولة ومتوقعة، فلنا شخصيات وميول حين نكون طلابًا على مقاعد الدراسة، ثم نكون مختلفين في حياتنا العمليّة، ثم تقل أهدافنا في الحياة وتستقر القناعات وتختلف الشخصيات مرة ثالثة بعد التقاعد.

من الضروري في كل الأحوال أن نبحث عن ذواتنا ونعرفها في وقت مبكر قدر الإمكان، ومن الضروري كذلك ألّا ننظر لغيرنا المختلفين عنّا بنظرة دونية أو بنقص في الاحترام؛ فقد يكون المختلف عنّا أفضل منّا، وقد يكون غيرنا ساعيًا في بناء نفسه ثم يفاجئنا بنفسه المكتملة بعد عشرين أو ثلاثين سنة، في حين لا نزال فخورين بذواتنا الناقصة!

أعجبتني كثيرًا لفتة ذكية ذكرها الأستاذ الفاضل عبد الله بن عبد الرحمن العقيل في كتابه الماتع بصمة حياة، سيرة وأفكار وذكريات، (صـ ٦٧) حين قال: “حدثني أحد الأصدقاء الأمريكيين منذ ثلاثين سنة أنه كان وبعض زملائه في الصف يجلسون في الصفوف الخلفية، فقام أحد الطلبة المجتهدين وشكاهم للأستاذ قائلاً: هؤلاء يعطلون علينا الحصص ولا يستفيدون.
فرد عليه الأستاذ: أنت وأمثالك ستجلسون مكاني هنا يومًا ما وتقومون بما أقوم به الآن، أما هم فسوف يرأسون الشركات والحكومات، فأنصحك أن تُبقي علاقتك جيدة بهم”.

كلٌ ميسّر لما خُلق له، وفي الاختلاف والتنوّع تتكامل المجتمعات، وتتوازن طبيعة الحياة، ويكون هناك فُرص لنفع الآخرين والإفادة منهم في الوقت ذاته، “نَحْنُ قَسَمْنَا بَيْنَهُمْ مَعِيشَتَهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَرَفَعْنَا بَعْضَهُمْ فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجَاتٍ لِيَتَّخِذَ بَعْضُهُمْ بَعْضًا سُخْرِيًّا” الزخرف ٣٢، وجمال الحياة في اختلافها، وهذا ما قدّره الله تعالى، فلو كانت الحياة لونًا واحدًا، وطعمًا واحدًا، ورائحة واحدة، ونمطًا شخصيًا واحدًا لما صارت حياة!

بقلم الكاتب/ د.يوسف النملة
Twitter: @yousefALnamlah

شاركها
  •  
  •  
  •  
  •  
  •  
  •  
  •  
  •  
  •  
  •  

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

جار التحميل...