قهوة الطيارين وقاعدة الـ 10/90 

 كنت أمضي في عملي بالمطار ما بين ١٠- ١٣ ساعة يوميا تحت وابل من الضغوط، الوقت، الاجراءات والموظفين لثلاثين عاما، ما تسبب لي في أعراض مرضية  ارتبطت بالتوتر، ما دعاني إلى دراسة علم تطوير الذات و تقنيات العلاج السلوكي، فحصلت على شهادة ممارس أول في البرمجة اللغوية العصبية و التنويم اليإحائي و العلاج بخط الزمن ولكن للأسف كان التوتر قد طبع بصمته على صحتي!.
أذكر في عجالة أنه في طريق مطار الملك عبدالعزيز بجده كان هناك مقهى شعبي اسمه قهوة (الطيارين).
الطيار يواجه أهوالاً جوية وضغوطاً شتى من لحظة وصوله إلى مكتب المرحل الجوي بالمطار  قبل دخوله مقصورة القيادة إلى أن يهبط بمحطة المقصد.
هذا المقهى الشعبي كان ينزل فيه الطيارين بعد عودتهم من رحلاتهم الجويه في الطريق إلى منازلهم ذلك بقصد تفريغ الشحنات النفسية والعصبية تجنباً لتأثير التوتر العصبي العالق في النفس على سلوكهم مع أفراد الأسرة، بالقدر الذي يسمح بالانخراط في الحياة  بشكل طبيعي .

قــــاعدة الـ 90/10
استوقتني هذه القاعدة للدكتور ستيفن كوفي، أتوقع لو اتبعتها ستغير لك على الأقل ردود أفعالك تجاه المواقف المثيرة للأعصاب.
ما هي هذه القاعدة ؟
تعتمد هذه القاعدة على أن:
–  10% من الحياة تتشكل من خلال ما يحدث لنا.
–  90% الباقية يتم تحديدها من خلال ردود أفعالنا.

ماذا يعني هذا؟
معنى هذا الكلام أننا في الواقع ليس لدينا القدرة على السيطرة على ال 10% مما يحدث لنا، فنحن على سبيل المثال:
لا نستطيع منع السيارة من أن تتعطل أو الطائرة من الوصول متأخرة عن موعدها (مما قد يؤدي إلى إفساد برنامجنا بالكامل) أو سائق ما قطع علينا حركة المرور أو السير.
فنحن في الواقع ليس لدينا القدرة على التحكم بـ 10% لكن الوضع مختلف مع الـ 90% فنحن من يقرر كيف يمكن أن تكون الـ 90 %.

سوف تسألون: كيف يكون ذلك؟
الإجابة: عن طريق ردود أفعالنا.
فنحن لا نستطيع التحكم في إشارة المرور الحمراء، و لكن نستطيع السيطرة على ردة فعلنا، لا تدع الآخرين يجعلونك تتصرف بحماقة، أنت تستطيع أن تقرر ماهي ردة فعلك المناسبة.

دعونا نتعرف على ذلك باستخدام هذا “المثال” الذى طرحه صاحب النظرية:
كنت تتناول طعام الإفطار مع عائلتك  وفجأة!! أسقطت ابنتك الصغيرة فنجان القهوة على قميص عملك.
لم يكن لك دور فيما حدث هنا، ولكن ما سوف يحدث لاحقاً، سيتقرر حسب ردة فعلك:
بدأت بالصراخ و الشتم و قمت بتوبيخ ابنتك، فأخذت الطفلة في البكاء، ثم استدرت إلى زوجتك موبخاً إياها لوضعها الفنجان على حافة الطاولة، وبعد مشادة لفظية قصيرة بينكما، اندفعت إلى حجرتك، وقمت بتغيير قميصك، ثم عدت إلى حيث كنت، فوجدت أن ابنتك قد انشغلت بالبكاء بدلاً عن إنهاء فطورها والاستعداد للمدرسة، ونتيجة لذلك فاتها باص المدرسة، وزوجتك كان لابد أن تغادر لعملها.
اضطررت أنت إلى إيصال ابنتك بسيارتك الخاصة إلى المدرسة، وبما أنك متأخر، قدت سيارتك بسرعة أكبر من السرعة المحظور تجاوزها، وبعد 15 دقيقة تأخير ودفع قيمة المخالفة المرورية، وصلت إلى المدرسة، ركضت ابنتك إلى مبنى المدرسة دون أن تقول لك: مع السلامة.
وبعد وصولك إلى المكتب متأخراً 20 دقيقة، وجدت أنك قد نسيت حقيبتك، فهاهو يومك
بدأ بصورة سيئة، واستمر من سيء إلى أسوء.
بعد عودتك إلى المنزل، تجد توتراً في العلاقة بينك وبين زوجتك وابنتك لماذا؟
بسبب ردود أفعالك منذ الصباح.

لماذا كان يومك سيئاً؟؟
-هل هو بسبب القهوة؟
-هل هو بسبب إبنتك؟
-هل هو بسبب رجل الشرطة؟
-هل أنت سببت لنفسك ذلك؟

الإجابة هي:
أنك أنت المتسبب فى ذلك.

كيف؟!
لأنه لم يكن لك دخل أو سيطرة على حادثة الفنجان،ولكن (ردة فعلك) في الخمس ثواني التالية هي من تسببت في إفساد يومك.

هيا بنا نتخيل سيناريو آخر للحدث وهو ما كان ممكن وينبغي أن يحدث:
فنجان القهوة وقع عليك، وبدأت ابنتك بالبكاء، وقلت لها بكل لطف:
لا بأس يا عزيزتي، ولكن كوني في المرة القادمة، أكثر حذرا وانتباهاً.
ثم تتناول المنشفة، وتسرع إلى حجرة ملابسك، تستبدل قميصك، وتتناول حقيبة أوراقك
وتعود إلى حيث كنت، في الوقت المحدد، لترى ابنتك من النافذة، وهي تصعد إلى حافلة المدرسة، ملوحة بيدها لوداعك.
تصل إلى عملك مبكراً بـ 5 دقائق، وتحيي زملاءك بكل مرح و ابتهاج، ويبدي رئيسك تعليقاً حول يومك الرائع.
لاحظت الفرق؟
كما رأيت، يوجد سيناريوهان مختلفان لهما نفس البداية، ولكن نهاية مختلفة.
لماذا؟!
بسبب ردة فعلك، وفي الحقيقة، لم يكن لديك أي سيطرة على الـ 10% التي حدثت، أما الـ 90% الأخرى،فتم تحديدها عن طريق ردة فعلك.

هنا بعض الطرق لتطبيق قاعدة ال 90/10:
(أ) إذا قال أحد الأشخاص بعض الأشياء السيئة عنك، فلا تكن مثل الأسفنج، بل دع الهجوم يسيل عليك مثل الماء على الزجاج، ولاتسمح للتعليقات السلبية أن تؤثر عليك فردة الفعل الإيجابية، لن تُفسد يومَك، بينما ردة الفعل السلبية، قد تؤدي إلى فقدانك للأصدقاء أو فصلك من العمل، وتكون في حالة من العصبية والإرهاق … إلخ.
(ب) كيف تكون ردة فعلك إذا قطع عليك أحد الأشخاص حركة السير؟
هل تفقد أعصابك ؟ هل تضرب مقود السيارة بقوة حانقاً ؟ هل تشتم؟ هل يرتفع ضغط دمك عالياً ؟.
من سيهتم إذا وصلت إلى العمل متأخراً بعشر ثوانٍ؟
لماذا تسمح للسيارات بإفساد قيادتك؟
تذكر قاعدة الـ 10/90 ولا تقلق لما سيحدث لكَ بعد ذلك.
(ج) قيل لك بأنك فقدت وظيفتكَ، لماذا الغضب والانزعاج والأرق؟
استغل جهدك ووقتك في إيجاد وظيفة أخرى.
(د) تأخر إقلاع الطائرة، وأفسد ذلك برنامجكَ اليومي، لماذا تصب جام غضبكَ و إحباطكَ على مضيفة الطائرة؟ هي ليس لديها القدرة على التحكم في موعد وصول الطائرة، استغل وقتك في القراءة أو التعرف على مسافر آخر، التوتر لن ينتج عنه إلا تعقيد أوضاعك، وجعلها إلى الأسوأ، طبّق قاعدة 90/10 وستدهشك النتائج، لن تخسر شيئاً إن حاولت.
(قاعدة مذهلة والقليل من الناس من يعرفها ويطبقها في حياته).

والنتيجة؟
الملايين من الناس تعاني من إرهاق وإجهاد لا مبرر له، ومحاكم ومشاكل في القلب ناهيك عن أمراض عضوية واعتلالات نفسية يسببها التوتر و فقدان السيطرة على ردود أفعالنا.

بقلم الكاتب/ د.عبدالغني محمد الشيخ
تويتر: @mgadviser

شاركها
  •  
  •  
  •  
  •  
  •  
  •  
  •  
  •  
  •  
  •  

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

جار التحميل...