ظاهرة الاغتراب الوظيفي: وأثرها في إنتاجية رأس المال البشري

اصطلاح “الاغتراب” (Alienation)، لا يُعد في استخدامه حكراً لمجال دون آخر، أو لحقل علمي واحد فحسبْ، بل هو اصطلاح شائع الاستخدام في عدة حقول وميادين علمية، منها على سبيل المثال (لا حصرا): علم السياسة، والقانون، وعلم النفس، وعلم الاجتماع، والتربية، وعلم الإدارة، وإدارة الأعمال.

بيد أن الرائج في البحوث والدراسات العلمية الإدارية، هو مفهوم: “الاغتراب الوظيفي” (Work Alienation)، وهناك من يستخدم أيضاً مفهوم (الاغتراب التنظيمي)، وكلا المفهومين صحيح.

من منظور سلوكي، يُشير الاغتراب إلى: شُعور الفرد بانفصال ذاته عن البيئة الاجتماعية المحيطة به. في حين أن الاغتراب الوظيفي يشير إلى: اختلاف شعور الفرد العامل، عن باقي الأفكار والمشاعر النابعة من الأفراد العاملين الآخرين المحيطين به في بيئة العمل، وذلك نظراً إلى اختلاف نظرته وفكره ورؤاه، عن الأفكار والقيم (الاجتماعية أو الخلقية أو الاقتصادية أو غيرها من القيم المهنيّة)، التي يلتزم بها باقي أفراد المجتمع الوظيفي.

والاغتراب الوظيفي يعني أن: يسلك الفرد طريق العُزلة أو الانطواء (أحيانا) في العمل، ثم يتبعه شعوره بالوحدة (اغتراب)، فيليه الشعور بعدم الانتماء لفرق العمل والجماعات التنظيمية، وبالتالي عدم الانتماء إلى الأسرة المنظمية برمتها. وبطبيعة الحال هناك أسباب ومصادر عديدة مؤدية لهذه الظاهرة التنظيمية السلبية، سوف يعرض لها الباحث في حينها.

ويُستفاد مما سبق، أن الاغتراب: ظاهرة نفسية واجتماعية في آنٍ واحدٍ، وهي ذات جذور تأريخية ممتدة، كانت قد ألقت بظلالها على مختلف الأزمنة من القرون والحُقب والعقود، وهي ليست مقتصرة على الجانب التنظيمي والإداري فحسبْ، كون الاغتراب يُعبر عن حالة نفسية تعتري الإنسان جرّاء عددٍ من الظواهر، أو القضايا، أو الأحداث والمشكلات التي تطفو على أسطح البيئة المحيطة به والمجتمع الملازم له.

في الحقيقة يصعب على باحثٍ أو كاتبٍ، حصر جميع الأسباب المؤدية إلى تفاقم مشكلة الاغتراب لدى أفراد المجتمع الوظيفي في مؤسساتنا ومنظماتنا العربية والخليجية، على اختلافها وتنوعها. بيد أن جملة كبيرة من الأسباب قد تنحصر في عدة دوائر مهنية ووظيفية، فتؤدي بطبيعة الحال إلى حدوث وتفاقم هذه المشكلة، وصعوبة السيطرة عليها من قبل الإدارة العليا وباقي الإدارات المعنيّة، ومن جملة الأسباب هي: (1) قلة الرواتب والأجور، والحوافز المالية (Financial Incentives)، وكذلك الدوافع المعنوية للعمل، (2) عدم تقديم المساعدة بين أفراد المجتمع الوظيفي، وأنانية بعض الموظفين في نقل الخبرات وتقاسم المعارف، لأسبابٍ متعددة؛ جميعها تنصب في بوتقة الدائرة النفسية والسلوكية، (3) عدم السيطرة على مشكلات سوء الفهم بين فِرق وجماعات العمل، سيما في البيئة ذات التنوع الثقافي والعرقي و”النوع الاجتماعي” (The Gender)، (4) ممارسة بعض السلوكيات الخاطئة وغير الأخلاقية من قبل الأفراد، بما فيهم الإدارة العليا ورؤساء الأقسام والوحدات الإشرافية، مثل: الغش والكذب، وخيانة الأمانة بصورها المتعددة، وعدم الاحترام (المباشر وغير المباشر) للمرؤوسين، (5) إجبار وقسْر بعض الأفراد العاملين على العمل في أقسام ووحدات إدارية، لا علاقة لها لا من بعيد ولا من قريب، بطبيعة مؤهلات ومهارات أولئك الأفراد، وذلك إما من باب التدوير الوظيفي مثلاً، أو لسد شواغر وظيفية مؤقته، أو غير ذلك ما سبق من الأسباب، (6) قمع أفكار المرؤوسين والحد من حرية التعبير عن آرائهم وأفكارهم المتعلقة بالعمل، وبالتالي عدم المشاركة في صنع القرارات، (7) وكثرة أعداد المرؤوسين وصعوبة السيطرة عليهم؛ وبالتالي صعوبة تلبية الرؤساء والمديرين لاحتياجات موظفيهم وتفهم مطالبهم.

أما بالنسبة لمظاهر اغتراب المجتمع الوظيفي، فهي تتمثل بالآتي: (1) عدم الشعور بالتكيف والتحفيز مع متطلبات الوظيفة المنوطة بالموظف، (2) شعور الأفراد بالشلل وعدم قدرتهم على مواجهة المشكلات الفنية والوظيفية التي قد تواجههم في البيئة التنظيمية، (3) توتر العلاقات الاجتماعية ما بين أفراد المجتمع الوظيفي من جهة، أو بين الأفراد العاملين والعملاء والزبائن للمنظمة أو الشركة من جهة أخرى، (4) كثرة الاستئذان المُلاحظ والغياب المتكرر للموظف عن العمل، (سواء أكان ذلك بأعذار غير مقبولة، أم حتى من دون أية أعذار)، (5) إطالة فترات الاستراحة (بريك العمل) وتجاوز الموظفين الحد المسموح في فترات الاستراحة.

مما سبق، يصبح من نافلة القول، أن حدوث هذه المشكلة (الاغتراب الوظيفي)؛ سوف يؤثر بصورة بدهية سلبية؛ في إنتاجية القوى العاملة والموارد البشرية؛ وذلك بفعل عُزلتهم أو انطوائهم عن باقي أفراد المجتمع الوظيفي، فضلا عن المشاعر السلبية والقوى النفسية الباطنة لديهم، والتي لا تُرى بالبصر والعين المجردة.

كما أن الحالات المتكررة للاغتراب الوظيفي في نفس المنظمة أو نفس القسم أو الوحدة الإدارية؛ سوف تؤدي بنسبةٍ احتمالية كبيرة، إلى انتقال هذه المشكلة إلى باقي الأفراد من الموظفين (ولا سيما أولئك الذين يتشابهون في الظروف والمشكلات التي تواجههم في بيئة التنظيم)؛ مما يؤدي بشكل تلقائي إلى تفشي هذه المشكلة؛ وبالتالي تفاقمها كمُعضلة في المؤسسات والمنظمات، ومن هنا صحت تسميتها: “ظاهرة الاغتراب الوظيفي” (Phenomenon Of Work Alienation) في محيط التنظيم وبيئة العمل.

 

هناك بعض من المقترحات، يسوقها الباحث، من أجل احتواء هذه المشكلة، والسيطرة عليها؛ من قبل القادة وصُناع القرار في المنظمات، من أبرزها: (1) وجوب مراجعة سياسة التعويضات والرواتب والأجور المالية والتحفيزات المعنوية، وباقي الامتيازات المعطاة للأفراد العاملين، وذلك وفق قيمة المساواة في اللوائح التنظيمية، (2) تشجيع وتخليق الأفكار والأجواء الإيجابية حول العمل والبيئة التنظيمية؛ والتي من شأنها أن تسهم في تقبل وإقبال الأفراد على العمل في المنظمات نفسها، (3) التشجيع على، ودعم اللقاءات الرسمية وغير الرسمية، بين أطراف أعلى الهرم التنظيمي وأدناه، أي بين الإدارة العليا والرؤساء والمرؤوسين، بل وحث المرؤوسين على الحديث عمّا يختلج في أنفسهم من ملاحظات ومشكلات، دون التلويح بالعقوبات والتهديد على ذلك، (4) أيضاً تشجيع عملية “التفاعل الاجتماعي” (Socialization) –كما تعرف بإدارة المعرفة-، والتي تعني اللقاءات غير الرسمية بين المجتمع الوظيفي في بيئة العمل، مثل لقاءاتهم في الكافتيريا عند فترات البريك والاستراحة، أو اللقاءات خارج بيئة العمل واجتماعهم في مختلف المناسبات التي قد يصادف حدوثها (كبعض المناسبات الوطنية والاحتفالات أو الأعياد وإلخ)، (5) وأخيراً وضع الموظف المناسب في المكان المناسب، وذلك استناداً إلى اختصاصه ومؤهلاته العلمية، وجداراته وخبراته العملية.

وفي ختام هذه المقالة، ينوه الباحث على أنّ: جميع ما تقدم سرده، سوف لن يجدي نفعاً، وسيظل مجرد كلمات وعبارات ملأتها صفحات الكاتب؛ إن لم تدخل في حيز التنفيذ، وفي خانات التطبيق العملي لها. لذا فإن التحدي بالنسبة للقادة الإداريين والمديرين وكافة المسؤولين، يكمن في دراساتهم الجادة ووقوفهم على مظاهر وأسباب تلك المشكلة؛ وذلك من أجل احتوائها والسيطرة عليها، فضلاً عن تلافي حدوثها مستقبلاً، إذا ما أرادوا تحقيق الأهداف الاستراتيجية وفق “نظرية الإدارة بالأهداف” (Management By Objectives (MBO) Theory).

الدكتور: ناصر ساجد الناصر

دكتُوراه الفلسفة في الإدارة

(إدارة المعرفة واستراتيجيات الموارد البشرية)

مُحاضر ومُدرب متخصص ببعض المجالات الإدارية- الكويت

Twitter: @Academic_Doctor

شاركها
  •  
  •  
  •  
  •  
  •  
  •  
  •  
  •  
  •  
  •  

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

جار التحميل...