سُميّة بيئة العمل

يقضي الإنسان جُلّ عمره في بيئات العمل، عاملاً مكافحاً يحاول بشتى الطرق أن يحقق كيانه، ويفي باحتياجات نفسه وأسرته ويخدم مجتمعه ووطنه، ويطمح أن تكون بيئة عمله بيئة مثالية تتطلع للاستمرارية والمنافسة وتحقيق الرؤية والأهداف، ولكن تشاء الظروف أن يجد نفسه في بيئة عمل تتصف بالسُميّة، المتمثلة في قلة الدافعية وكثرة المضايقات والصراعات التي تؤثر على اداءه بشكل سلبي.

إن وجود الموظف في ظل الملوثات السامة والمعلنة يقلل من معدلات العطاء والانجاز، ويسبب النفور والتوتر وخيبات الأمل المستمرة، كما أن دوافع الموظفين تتحول من دوافع جماعية تعاونية تهدف الى نهضة المؤسسة الى دوافع شخصية أنانية هدفها الانتقام وتدبير المكائد والوشاية والدهس على المتميزين ودحضهم.   

وقد ذكرت كثير من الدراسات أن معدل بقاء الموظفين في المؤسسات ذات الإدارات السامّة يبلغ سبع سنوات وهي أطول من معدل بقاء الموظفين في المؤسسات ذات الإدارة الرخوة المتساهلة حيث وصل المعدل لخمس سنوات فقط، وهذا يدل على أن الإنسان بطبعه يسعى الى الاتزان النفسي الذي يرغب في تحقيقه من خلال وظيفته في المقام الأول.   

والمفاجأة أن القادة السامّون يكلفون الاقتصاد الأميركي سنويا 24 مليار دولار أميركي بسبب الآثار السلبية التي يتعرض لها الموظفون من أمراض وضغوط نفسية ينتج عنها غيابات وقلة إنتاجية ومشاكل قانونية واستقالات مستمرة، ولم أجد دراسات بحثية تعطي معدلات تأثير البيئات والقيادات السُميّة على الموظفين والعكس في الدول العربية، وفي المقابل نسمع ونرى الكثير من حالات السُميّة الوظيفية التي تهدم البنية التحتية في المنظمات وتنخر قواها.  

وقد عرّف دالتون(2008) المنظمة المسمومة بقوله “هي المنظمة التي تتفشى فيها العديد من السلوكيات المختلة، والهدامة، والاستغلالية، والتعسفية دون وجود أي رادع حقيقي”

ويطلق على البيئات السامة (Workplace Toxicity) للإشارة الى السُميّة الناجمة من القيادات أو من عمليات صنع القرار أو تنمر الموظفين.

وقد ذكر شين (2009) أن بيئة العمل المسمومة هي “بيئة لديها نمط مستمر ومتكرر من أعمال الاستغلال، أو المضايقات أو التمييز وبمرور الوقت يتم تجاهل هذه الأفعال والسماح بوجودها أو دعمها، ولا يتم إتخاذ الخطوات المناسبة لتصحيح الوضع”

ويمكن تلخيص عدد من العلامات التي تشير الى سُميّة بيئة العمل ومنها: الاستبداد من جانب الرؤساء، السياسات والإجراءات الغير واضحة والتي احياناً تكون غير موجودة في الأصل، ويدخل ضمن ذلك الممارسات سيئة التنفيذ والخاضعة للمحسوبيات، الإحساس بالشعور السلبي عند الذهاب للعمل، التفكير بمعاقبة وتوبيخ الموظف المخطئ مباشرة عند وقوع المشكلة بدلاً من التفكير في حلها ومنع حدوثها مستقبلاً، المحاباة والشللية بين الموظفين، التناحر وعدم التوافق بين زملاء العمل ونشر الشائعات وتشجيع المنافسة غير الشريفة، تفاوت حجم الأعمال والمهام المكلف بها الموظفين حسب العلاقات الشخصية، الاجتماعات الغير منظمة والغير منضبطة، عدم التقدير والاعتراف بجودة العمل، النوبات المتكررة من المشاعر المفاجئة كالبغضاء والكراهية والقلق الشديد ونحوه، انتشار الغيبية والنميمة بين الموظفين، افتقاد الطموح وغموض المستقبل الوظيفي.

وقد ذكر برايتمان (2013) أن بيئة العمل ذات الطابع السُمّي تخلق عدد من السلوكيات بين الموظفين ومنها: تولّد السلوك العدواني الذي يتلخص في الأذى النفسي أو الجسدي الذي يحدثه الموظفين لبعضهم البعض ظاهرياً أو سرياً، الأنانية وهي حب الموظف لنفسه والاستئثار بجميع المميزات الوظيفية والصعود على أكتاف الموظفين بدون وجه حق، انعدام المصداقية وعدم التزام القيادات بوعودهم، السلبية وتتمثل في ضعف الحماس الوظيفي والتقاعس عن الابداع والابتكار، الفوضى العارمة والتي تُفقد الموظفين التركيز والانضباط، مقاومة التغيير الذي يهدد تطور المنظمة ودخولها في المنافسة المرجوة.

من أهم صفات القادة السُميين: التكبر وسوء التواصل واعتقادهم أنهم على صواب دائم وسماعهم الدائم لصوت نفسهم، التفريط والإهمال في تلبية احتياجات الموظفين وعدم الإستجابة لمتطلباتهم، الاستبداد في الرأي واتخاذ القرارات دون مشاركة، وعدم قبول التفاوض أو الاعتراض، انعدام المرونة ويتمثل في صعوبة التأقلم مع التغيرات، وبالتالي إنخفاض معدلات الابتكار والانجاز، التحكم والسيطرة ويتمثل ذلك في عدم الثقة بالنفس والنظرة الدونية للمرؤوسين والقرارات التعسفية الارتجالية مما يسبب تولد الإحباط وتعطيل القدرات الإبداعية، انعدام الثقة بالنفس ويتمثل ذلك في امتناع القادة في البيئة السُميّة من التفويض الفعال والاستئثار بكافة الصلاحيات الوظيفية، التمييز العنصري ويتلخص في معاملة القادة للموظفين والعكس وفقاً لخصائص معينة كالعمر ولون البشرة والقبيلة والحالة الاجتماعية والاقتصادية، سوء إدارة الوقت ويتمثل في عدم القدرة على التخطيط الجيد مما يترتب عليه زيادة ضغوط العمل والنتائج السلبية وعدم الرضى الوظيفي، اخيراً إن القائد في البيئة السُميّة لا يشجع الابداع ولا يدعمه ولا يفتح المجال للأفكار المبتكرة، وبالتالي يشعر الموظفين بالتهميش والإقصاء مما يخلق لديهم انخفاض الرغبة في التطوير وسلبية الأداء.

المثلث السام في بيئة العمل شكل (1) يوضح العلاقة بين متغيرين هما (بيئات العمل والمرؤوسين) مع متغير القادة الذين يتصفون بالسُميّة:  

المراجع

صلاح الشنواني . (1994). إدارة الأفراد والعلاقات الانسانية مدخل الأهداف . مؤسسة شباب الجامعة للطباعة والنشر .

عصام أمان الله بخاري . (أغسطس, 2017). الموظفون لا يحبون المدير . مجلة مال الاقتصادية .

محسن نايف. (ابريل, 2019). بيئة العمل السّامة. تم الاسترداد من تنمية المعرفة.

Shain,M. (2009).Psychological safty at work: Emergence of a corporate and social agenda in Canada International Journal of Mental Health Promotion 11, 42-48.

Ashley McCulloch.(2016). Toxic Work Environments: A thesis submitted to the Faculty of Graduate and Postdoctoral Affairs in partial fulfillment of the requirements for the degree of Doctor of Philosophy in Psychology.

Waiton,M.(2008).Inconsideration of a toxic workplace A suitable place for treatment . In A. kinder, R Hughes,& C.L.Cooper (Eds.),Employee well-being support: A, workplace resource (pp.9-24).

 

الكاتبة: تهاني الغامدي

مشرفة وباحثة ومدربة

شاركها
  •  
  •  
  •  
  •  
  •  
  •  
  •  
  •  
  •  
  •  

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

جار التحميل...