سورة الفاتحة من منظور إداري

 

إلى جانب كل الحقائق الشرعية  التي جاءت في سورة الفاتحة في القرآن الكريم والسنة النبوية المطهرة ، وإلى جانب أقوال العلماء جميعهم التي سطروها ، أتسأل لماذا فرض الله سورة الفاتحة في كل صلاة ؟، بل جُعلت ركن متين لا تقوم الصلاة إلا بها .

أتأملها من منظور إداري :

إنه قائد المنظمة ، الذي لا بد أن يكون كرب لها ، والرب عند العرب له ثلاث معاني فهو السيد المطاع ، ، والرجل المصلح للشيء ، والمالك له ، والرب لا بد أن يكون رحيما مشفقا على رعيته .

وبناءً على هذه المعاني فإن المدير لا بد أن يمتلك هذه القدرات والصفات ، محبوباً بين مرؤوسيه حتى يكون مطاعاً فيهم ، ولا بد أن يكون لديه الرغبة والقدرة على إصلاح شؤون المنظمة ، وعليه أن يكون معروفاً بوضوح لجميع أفراد المنظمة  ، وأن يكون عطوفا رحيما مشفقاً بهم ، يعلمهم بلطف ، يبين لهم حقوقهم وواجباتهم ، إن أخطاؤا في مسيرة العمل علمهم ووجههم ، وإن أصابوا وأبدعوا كافئهم وحفزهم ، يبسط نفسه لهم ليتقربوا منه ويتعرفوا عليه أكثر حتى يألفوه ويفهموه ، ويعرفون ما يحب وما يكره في العمل ، يعرفون توجهاته الادارية ومفاهيمه ومعتقداته ، يعرفون طريقة إدارته وأساليبه في التخطيط والتنفيذ  ، بالمجمل عليه أن يكون واضحاً معروفاً لهم . 

إنها الخطة الاستراتيجية التي يجب أن يعرفها جميع أفراد المنظمة ” منظمة الإنس والجن ” . والمالك الرب .

( بسم الله الرحمن الرحيم (1) ( الحمد لله رب العالمين (2) الرحمن الرحيم (3) مالك يوم الدين (4) والهدف الأساسي ( إياك نعبد ) ، ( وما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون ) . ثم بعد الهدف يبين – سبحانه وتعالى –الوسيلة ( إياك نستعين )  والطريق الموصولة ( اهدنا الصراط المستقيم ) . ( إن الله ربي وربكم فاعبدوه هذا صراط مستقيم ) آل عمران ” 51″ . والمحظور الرئيس الذي بفعله سينحرف الهدف عن مساره المستقيم الصحيح إلى أسوأ النتائج ، إلى الهلاك والخسران ( غير المغضوب عليهم ولا الضآلين ). ولم يذكر سبحانه وتعالى نتيجة تحقيق الهدف ، أو نتيجة الانحراف لأن النتائج تأتي ضمناً لنهاية حتمية ،  وهذا من حكمته سبحانه وتعالى إذ بين لعباده أنه ليس عليهم إلا أن يعملوا وفق ما رسمه لهم ، والنتيجة بيده وهو العدل سبحانه .

وكذلك فإنه سبحانه وتعالى حدد أن من سيكافئ ويعاقب في النهاية هو المالك نفسه ( مالك يوم الدين ) ، مالك يوم الجزاء والحساب ، فلا نظن أن من سيتابع ويراقب ويحاسب ويُثيب ويجازي غير واضع المنهج ، إذ لو كان المُحاسبُ غيرهُ ربما لا تكون متيقناً بمصير عملك إن كان  موجهك غير من سينظر في نتائجك ويقيمك ويحاسبك عليها .

وبعد تعريفنا بها لا بد أن تكون حاضرة في أذهاننا باستمرار بترديدها ” 17 ” مرة في اليوم ، لا نتركها مهما كانت الظروف. وقد جاء وصفه لنفسه سبحانه بـ ( الرحمن الرحيم ) بين ( رب العالمين) المالك المطاع المصلح لشؤون عباده  وبين ( مالك يوم الدين ) الذي بيده الحساب والجزاء ، مدعاة إلى الاطمئنان .

ونخرج من ذلك إلى أن أهم عنصرين في الخطة الاستراتيجية ، هما القائد ، والمقَيم ، لأنهما هما العنصران البشريان الوحيدان في الخطة ، أما بقية الأركان فهي ما بين مهام ووسائل وواجبات ومحظورات ، ونتائج ، وبالتالي فإن ما يهم أفراد فريق الخطة هو شخصية هذين العنصرين لأن التعامل مع البشر أمر في غاية الصعوبة فعندما يتم طمأنت الأفراد من خلال إبراز الصفات اللطيفة للقائد والمقيم  سيعملون بحرية وثقة أكبر ، ولا يظنون أنه سيكون هناك خطأ أو سوء فهم بين واضع الخطة والمقيم .

وفي بقية سور القرآن يأتي الشرح والتفصيل ، وكأنها دليل تفصيلي لكل ركن من أركان هذه الخطة الاستراتيجية ، وقد قال بعض أهل العلم : ( أن سور القرآن جميعها تدور حول معاني سورة الفاتحة )  فيأتي وصف المالك عز وجل ، وأسماءه ( ولله ما في السموات وما في الأرض ليجزي الذين أساءوا بما عملوا ويجزي الذين أحسنوا بالحسنى ) النجم 31 ، وهكذا وصف يوم الدين ، ووصف الهدف ” العبادة “ووصف ” الوسيلة  ” ووصف الصراط المستقيم”  ، ووصف “المغضوب عليهم والضالين ومن شابههم” ثم يتعهد عباده بالتعليم والتدريب والتحفيز والتوجيه ، ويغدق عليهم بالحوافز والمزايا ويصف لهم نماذج يقتدون بهم ، وينذرهم مخالفة الهدف ، ونماذج يبتعدون عن أعمالهم ولا يتشبهون بهم ، ويصف لهم المكافأة الكبرى الحتمية عند النهاية ، ليتضح للمرؤوسين جميعهم أن الخطة لم تغفل حاجاتهم ، وأن نجاحهم في تنفيذ الخطة سيعود عليهم بالنفع الآني والمستقبلي ، وأنهم جزء لا يتجزأ من الكل ، عليهم أن يكونوا قدوة لمن لا يعلم ، يعلموه ويأخذوا بيده إلى النجاح ، وجبهة لا تلين ولا تتساهل في وجه الكسالى والمخالفين ظاهراً أو من يعملوا في الخفاء ليطفئوا نور الهدف الاستراتيجي .

فإن أردنا أن نطبق المستفاد من السورة العظيمة على المستوى البشري عند وضع الخطة الاستراتيجية ، أولا يجب أن نُعرف جميع أفراد المنظمة بالإدارة العليا ونُظهر صفاتهم (جداراتهم )  في بيان الخطة الاستراتيجية  بما يجلب لهم الطمأنينة والثقة ، ثم نحدد الهدف الرئيس بأوضح عبارة ، والوسائل المساعدة ،  والطريقة الصحيحة للتنفيذ ، والمحظور الرئيس ، ثم تحديد من سيراقب ويقيم التنفيذ ويحاسب ، ثم نشر الخطة على الجميع في المنظمة ، وتكرارها بشكل مستمر حتى يستوعبوها ، والحرص على ذكرها في كل محفل واجتماع رسمي وغير رسمي . 

ختاماً نقول ، وبالاستناد إلى ما سبق ، أن الخطة الاستراتيجية تتكون من أركان ستة  كالآتي: 

01 تعريف وتحديد القائد ، وهذا القائد إما أنه فرد أو مجلس إدارة ، ويكون التعريف به بأفضل ما لديه من صفات وإنجازات وجدارات ، وعلى القائد أن ينزل إلى أرض فريقه في مكاتبهم ومعاملهم ويحاورهم ، يشجعهم ويدعمهم .

02 تحديد الهدف الاستراتيجي الأساس الذي بتحقيقه ستكون المركز الأول إلى المركز الثالث على اسوء تقدير. وهذا الهدف لا يعدو أن يكون إما هدف لإنتاج سلعة ، أو لتقديم خدمة.

03 الوسيلة ، ما هي الوسيلة المستخدمة لتحقيق الهدف .

04 رسم الطريق الموصل لتحقيق الأهداف الاستراتيجية بخطوات واضحة ودقيقة .

05 المحظورات الرئيسة التي يجب تلافيها والابتعاد عنها أثناء رحلة تحقيق الهدف في السياسات والعمليات والإجراءات … الخ 

06 تحديد المقيم ووسائل المراقبة ومعايير التقييم ، وقد يكون المراقب والمحاسب غير القائد ، إلا أنه يجب أن يكون ملازماً ومواكباً لكل خطوة ولكل اجتماع من اجتماعات وضع الخطة ، وأن يكون على اتصال مباشر مع واضع الخطة ومع منفذيها .

مع ضرروة وضع أدلة تفصيلية لكل ركن ، للاسترشاد بها وتطبيقها أثناء رحلة تحقيق الهدف الاستراتيجي من منح الحوافز والمزايا عند نجاح الخطط التشغيلية المشتقة من الخطة الاستراتيجية ،

والتدريب والتطوير عند وجود الانحراف أو عند الاحتياج للتطوير،ومحاسبة من يستحق المحاسبة ، وإبعاد من يستحق الإبعاد عن المنظمة ، والتحديد والتعريف بالجائزة الكبرى في نهاية مدة الخطة الاستراتيجية .

 

 

  محمد بن صنهات 

MohdSanhat@

 

شاركها
  •  
  •  
  •  
  •  
  •  
  •  
  •  
  •  
  •  
  •  

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

جار التحميل...