رأس المال البشري الوطني: “وأزمة كورونا”

 

مع تواصل اجتياح هذه الجائحة (كورونا) للكثير من بلاد العالم؛ وسقوط البعض منها، في المعركة الشرسة الناجمة عن أزمة مواجهة هذا الفيروس، إلا أنّ هناك جهود دولية طبية (وقائية وبحثية)، قائمة ومستمرة من أجل احتواء هذه الأزمة؛ ورغم جدية الجُهود الدولية الطبية، منذ بداية الإعلان عن هذا الفيروس، بيد أن تلك الجهود أخذت تحمل في سياقاتها العمليّة، وتيرة تصاعدية مُستمرة، وذلك بالتزامن مع إعلان “منظمة الصحة العالمية” (World Health Organization)، تحول هذا الفيروس بالفعل، إلى “جائحةٍ ووباء عالمي” (Coronavirus Disease (COVID-19) Pandemic)، في آذار من العام الجاري (2020م).

بطبيعة الحال، فمنذ بداية تفشي هذا الفيروس، أخذت الغالبية من دول العالم في الإعلان عن استعداداتها المختلفة، وأخذها جميع التدابير اللازمة للتصدي؛ لاجتياح هذا الوباء مدنها ومناطقها، ولم تُستثن من تلك الدول، البلاد العربية والخليجية، (ومنها دولة الكويت).

وقد أدت التداعيات والأحداث التي صاحبت انتشار هذا الفيروس؛ إلى توقف الكثير من مُؤسسات الخدمة المدنية في الكويت عن العمل، وذلك ضماناً لسلامة مختلف شرائح المُراجعين، وموظفي تلك المؤسسات والمنظمات المحلية. وبالتالي فقد جاء توقف غالبية تلك المؤسسات عن العمل، كإجراءٍ وقائي؛ وتدبيرٍ احترازي؛ لدرء أية عدوى، أو انتقال هذا الفيروس من فرد إلى آخر.

كما كان للكثير من الشركات المحلية، والشركات العالمية (ذات الأفرع المحلية في الكويت)؛ كشركات المطاعم العالمية، ودور السينما، ومحلات الألبسة وغيرها، حظاً من القرارات الحكومية الموجهة إلى إغلاقها، وذلك انصياعاً؛ لقانون منع التجمعات وإقامة الجلسات الجماعية، وقانوني الحظر الجزئي والحظر الكلي للتجول؛ من أجل السيطرة والحد من انتشار هذا الوباء، بين مختلف السكان المحليين.

وبالرغم من هذا وذاك، فقد كان لزاماً على البعض من مؤسسات ومنظمات الخدمة المدنية، الاستمرار في أعمالها ونشاطاتها، والتي تزداد وتُنشط (بصورةٍ بدهيةٍ)، في مثل هذه الظروف الاستثنائية؛ التي اجتاحت  العالم بصورةٍ عامةٍ (والكويت بصورةٍ خاصةٍ)، سيّما تلك المنظمات: التي تحمل طابعاً خدمياً؛ كالمنظمات الطبية، أو المؤسسات التي تحمل سمة (استتباب الأمن) والمحافظة على سلامة الجميع؛ كالمؤسسات الأمنية (والعسكرية كمنظمات مساندة)، أو المنظمات المشتركة في مسؤولية الأمن الغذائي؛ كمنظمات توفير الغذاء والسلع التموينية، وغيرها من السلع الضرورية الأخرى، ومراكز التسوق المناطقية (والتي تُسمى في الكويت: بالجمعيات التعاونية).

من أجل ذلك، ففي هذه الأيام الحرجة، كانت قد برزت الحاجة المصيرية والأهمية الفعلية، (لرأس المال البشري الوطني)، وذلك فضلاً عن الأهمية العُظمى، لتدريبه وتنميته، والاستثمار في تطويره، لمثل هذه الظروف الاستثنائية، وغيرها أيضاً.

ومن أجل الإيضاح، فعلى سبيل المثال: إن الفترة التي تلت توقف المؤسسات الأكاديمية؛ من جامعات، وكليات علمية، ومعاهد تدريبية وتطبيقية عن الدراسة في الكويت، كانت قد تزامنت مع قرار صادر عن بعض الجهات المحلية؛ بإيقاف الكثير من عمالة وموظفي بعض الخدمات، في مراكز التسوق وبيع المواد الغذائية وباقي السلع الضرورية؛ مما خلق الحاجة إلى وجود بديلٍ حيوي من القِوى العاملة؛ يكون مُهيأ ومُستعداً، ومن هنا فقد ظهر (دور رأس المال البشري الوطني)؛ المتمثل بتطوع الكثير من طُلاب الجامعات والكليات، والموظفين المتطوعين (الذين شملهم في بداية هذه الأزمة؛ قرار توقف منظماتهم عن العمل، حتى إشعارٍ آخرٍ).

وذلك فضلاً عن أن الأزمة الراهنة؛ كانت قد خلقت حاجات مجتمعية أخرى استثنائية وطارئة، وهي مما يتطلب وجود قِوى عاملة استثنائية أيضاً، كتلك الطواقم البشرية التي أخذت على عاتقها مهمّة: فحص درجات الحرارة لجميع المراجعين إلى بعض المؤسسات والدوائر الحكومية، أو عند أبواب دخول محلات التسوق، أو غيرها من مراكز الخدمة المدنية في فترة النهار، وكل ذلك يستدعي الحاجة المُلحّة إلى إعداد مثل تلك الكوادر البشرية الاستثنائية؛ انسجاماً مع هذه الظروف والأزمة الراهنة.

يُعد “رأس المال البشري” (Human Capital): أهم المصادر المُكونِة والمُحافِظة على الثروات الوطنية، ومنها “الثروة الاقتصادية” (Economic Wealth)، ويتوقف اليوم تطوير مستويات وكفاءة الأداء (Performance Efficiency)، مع تقليل التكاليف غير الضرورية وزيادة الإنتاجية (Increase Productivity)، في كافة القطاعات والصناعات الوطنية، في الدرجة الأولى؛ على ذلك المكون (رأس المال البشري الوطني)، وتزداد الحاجة إليه في الظروف الاستثنائية للأزمات، دون ريب.

كما يُعرف “رأس المال البشري الوطني” (National Human Capital): بالمُكتسبات المعرفية للأفراد؛ من التعليم والتدريب، ونواتج الأداء المُثمرة من التعلم، والمهارات الناتجة عن التجارب والخبرات، فضلاً عن قابلية الأفراد على الإبداع وتطوير الأفكار الخلاقة والمُنتجة، وإن جميع ما سبق من خبراتٍ ومهارات ومعارف، تعود ملكيتها للأفراد، لا للجهات أو المنظمات التي يعملون فيها.

مما سبق، يُصبح من نافلة القول، أن أهم مؤشرات الدلالة العلمية والواقعية، على وجود (رأس المال البشري الوطني)، والاعتداد به كثروة وطنية (قومية)، هي: “مستويات التعليم والتعلم” (Learning & Education)، “والتجارب والخبرات” (Experience & Expertise)، “والأفكار الإبداعية والابتكارات” (Innovation & Creativity)، على مستويي: المنظمات والدولة. بل ويحوي رأس المال البشري الوطني ما هو أعمق من ذلك في الهرم العلمي للمعرفة؛ وهو “الحصافة الفكرية والمعرفية” (Intellectual Wisdom).

إنهم كما أسماهم المُفكر الإداري البروفيسور “بيتر دراكر” (Peter F. Drucker, 2001): (بالرأسماليين الجُدد): “Knowledge Workers are the New Capitalists”. وهنا لا تنحصر المناقشة على طبقات التربويين والمُعلمين، والدكاترة، والأطباء، والمُحامين، والمهندسين كمفردات لرأس المال البشري فحسب، بل إن رأس المال البشري الوطني يشمل غيرهم؛ من فنيي الأشعة الطبية، وفنيي الأسنان، والمختصين التكنولوجيين، وأخصائيي الحالات النفسية، وأخصائيي العلاج الطبيعي، وإلخ. إذ لا توجد اليوم وظيفة أو مهنة مما سبق، لا تحتاج في طبيعتها، إلى التزود العلمي والاكتساب المعرفي والتنمية المهارية، سيّما بعد إدخال تكنولوجيا المعلومات الفائقة (High Information Technology) فيها.

وهنا ينوه الباحث، على أن (مُفردات رأس المال البشري الوطني)، تحتاج إلى اكتساب المعارف والتنمية الذاتية (العلمية والمهاريّة)، من خلال مرحلتين من الزمن: 1) المرحلة الأولى: والتي تجسد اكتساب الفرد للقيم المهنية والمعارف قبل التحاقه بالوظيفة أو قبل مباشرته للمهنة التي يطمح إلى ممارستها، 2) والمرحلة الثانية: التي تبدأ (وبصورة دينامية وتراكمية مستمرة)، منذ الأيام الأولى لانخراط الفرد في المهنة، فهي تستمر مع استمرارية الخط البياني “لمساره الوظيفي” (Career Path)، فلا تنتهي؛ طالما يمتلك خارطة طريق مستقبلية، وروحية إنسانية إيجابية عالية؛ تدفع به إلى القيام بكل نشاط هادف؛ إلى تنمية المجتمع.

وفي ظل هذه الأزمة العالمية، فإن النموذج المُمثل في الكويت، (لرأس المال البشري الوطني): هو ذلك القالب الذي انصهر في بوتقته؛ الكثير من الكوادر الطبية، ورجال الأمن، والطلاب الأكاديميين، والباحثين، والآخرين من الموظفين المتطوعين؛ الذين وجدوا أنفسهم دون عملٍ في ظل اجتياح هذه الأزمة، وغيرهم من ناشطي الدفاع المدني، مُعرضين بذلك أنفسهم؛ لمخاطر انتقال عدوى هذا الفيروس إليهم، في سبيل الإفادة من خبراتهم وجداراتهم؛ بما يخدم المجتمع المحلي، ويساهم في بقائه.

في الجانب المقابل، تجد (البعض) من أصحاب رؤوس الأموال والمُستثمرين في كبريات الشركات ومنظمات الأعمال المحلية (ذات الطابع الربحي البحت)، من جلس متربعاً وآمناً في منزله، أو غادر إلى الخارج، في الحين الذي يطالبون الحكومة مُجاهرة، بقروض حسنة لدعم تجارتهم التي ربحت ولم تخسر؛ جراء حلول هذه الأزمة!! وهم لم يكتفوا بذلك فحسب، بل سعوا حتى إلى رفع بعض أسعار المواد الغذائية والسلع التموينية الضرورية.

ومن هنا، لك أن تُقارن، بين الشريحتين: 1) الرأسماليون التقليديون: الذين يمثلون بعض أصحاب رؤوس الأموال آنفي الذكر.  2) “والرأسماليون الجُدد” (New Capitalists): كما أسماهم بذلك البروفيسور “بيتر دراكر” (Peter Drucker, 2001)؛ والذين يجسدون “رأس المال البشري الوطني” (National Human Capital).

 

الدكتور: ناصر ساجد الناصر

دكتُوراه الفلسفة في الإدارة

مُحاضر ومُدرب متخصص ببعض المجالات الإدارية- الكويت

 

شاركها
  •  
  •  
  •  
  •  
  •  
  •  
  •  
  •  
  •  
  •  

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

جار التحميل...