برستيج الضفدع

 

 

العالم الألماني فريدريك قولتز أحضر عددا من الضفادع  ووضعهن في وعاء مائي تبلغ درجة حرارته 17.5 ، ثم بدأ برفع درجة الحرارة بشكل سريع ومفاجئ حتى وصلت 56 درجة ، فلاحظ بأن عددا من الضفادع بدأت بالقفز من الوعاء بسبب درجة الحرارة العالية ، أما التي بقيت في الوعاء فقد كانت ضفادع فاقده للإحساس بسبب استئصال أمخاخها .

ثم أتى بعده عالم آخر يدعى هينز مان ، وقام بإجراء التجربة ذاتها على ضفادع آخريات . ولكن بطريقة مختلفة ، حيث وضع الضفادع في وعاء ماء درجة حرارته 21 ، وبدأ بعملية التسخين بشكل تدريجي حتى بلغت درجة الحرارة 37.5 ، لكنه كان يقوم برفع درجة الحرارة بشكل بطئ مقارنةً بما قام به (فريدريك قولتز) ، و قد اكتشف (هينزمان) في هذه التجربة أن جميع الضفادع لم تتحرك بما فيها الضفادع السليمة بالرغم من درجة الحرارة العالية في الوعاء ، وهذا يعني أنه لو تم الإستمرار في رفع درجات الحرارة حتى الغليان فإن الضفادع ستموت بدون أن يكون لها أي ردة فعل .

هذه القصة تقودنا لما يحدث في المنظمات سواءً أ كانت في القطاع الحكومي أو في القطاع الخاص ، فعند انضمام مدير في منصب ما إلى أحد تلك القطاعات فإنه يملك حماسا هائلا، و رغبة عالية  في العمل من أجل الإنجاز وتحقيق الطموحات؛ من أجل الارتقاء في مجاله المهني ، وهذا هو المتوقع والمأمول منه خصوصاً أنه يرغب بأن تكون له بصمة في عمله الجديد .

يؤمن الكثير بأن من أسباب النجاح في العمل هي قدرته على التأقلم مع بيئة عمله ، ويأتي ذلك من خلال قضاء بعض الوقت للاستكشاف والتعرف على طبيعة بيئة العمل .

و من الطبيعي أن تجد في بيئة عملك الجديدة أموراً كثيرة إيجابية ، كما ستجد بعض الأمور السلبية . ما عليك فعله هو أن تركز جهدك على الجوانب الإيجابية ، وأن تجعلها دافعاً لك في عملك لإنجاز المهام والمسؤوليات على أكمل وجه . 

ففي بدايات العمل في البيئة الجديدة يعمل المدير على إظهار التزامه وإبداعه للمنظمة بشكل عام ولفريق العمل بشكل خاص ، كما يبدي الحرص على إنجاز المهام بسرعة ودقة عالية ، لكي يحقق الرضا الذاتي و لكي يشعر المسؤول في المنظمة بأنه على قدر عال من المسؤولية . ولكن مع مرور الوقت و اكتشافه بأن الوضع العام لبيئة العمل محبط وغير محفز للإنتاج والإبداع ، بالإضافة إلى كثرة المحيطين به من المحبطين ما يجعله يعيد التفكير في طريقة عمله في هذه البيئة ، ولصعوبة مواجهة هذا التيار لإثبات عدم ملائمة هذه البيئة للنجاح ، فينجرف مع التيار ويبدأ في التأقلم مع هذه البيئة المحبطة ، ومع مرور الأيام يصبح أحد مصدري هذه الممارسات التعيسة .

 ولكن في مثل هذه الظروف لا ينبغي أن يكون التأقلم مع هذه البيئة السلبية ، فذلك سيفقدك كثيرا من مهاراتك العملية والعلمية التي بدونها ستصبح أسيرا لهذه البيئة ، وبالتالي ستزداد الأمور صعوبة في المغادرة . كما أن البعض قد يعيقه التغيير بحجة أن منصبه (كويس) وأموره (ماشية) مع الموجة السائدة في بيئة العمل المحبطه ، والأهم من ذلك حصوله على برستيجه في المجتمع ، وهذا مزعج جداً ، لأن البرستيج يعزز فيك البقاء في الوعاء . والبرستيج كما ذكر باول جراهام: بأنه كالمغناطيس القوي الذي يشوه حتى معتقداتك حول ما تستمتع به ، فهو لا يجعلك تعمل على ما يعجبك ، بل على ما تريد أن يعجبك . 

لذا فإنه يتطلب بأن نكون على قدر عال من الوعي الكامل بما يدور حولنا ومدى تأثرنا بالبيئة المحيطة وإغراءتها . 

فإذا شعرت بأن المكان الذي تعمل به لا يساهم في تطويرك و ارتقائك في المجال المهني وتحقيق طموحاتك ، وبدأ ينتابك حينئذ إحساس بالتأثر بالبيئة المحبطة ، وبأن هذه ليست درجة الحرارة التي كنت عليها عند انضمامك للمنظمة ، فاحذز أن تتساهل وتدع الأمر يستمر ، ولا تقنع نفسك بأن الأمور تسير على مايرام ، قرر أن تقفز من الوعاء و ابحث عن مكان آخر يناسب طموحاتك ويساهم في ارتقائك ، كي لا تصبح ضفدعا .

.

عبدالله بن محمد اليامي

Twitter: @yami_abdullah

شاركها
  •  
  •  
  •  
  •  
  •  
  •  
  •  
  •  
  •  
  •  

One thought on “برستيج الضفدع

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

جار التحميل...