التخبيص الاداري

التخبيص الإداري

‏عندما يُلون الطفل وجهه بالحلوى أو بما تمسكه يداه نَصف فعله (بالتخبيص)، عندما يضع الطاهي الملح على السكر أو البارد على الحار أو الطازج على البايت نصيح في وجهه “يا مُخبّص..!”، عندما يقوم المدرب في ملعب الكرة بوضع لاعب في غير مركزه أو الأبقاء على لاعب غير فعال واخراج لاعب يؤدي بشكل جيد نصفه بأنه مدرب جالس ( يخبص..!).

‏التَخبيص هو العكّ والعكّ هو التخبيص. التخبيص يسير عكس ما يُقره النظام ويُؤيده العقل ويُسانده المنطق، والمعاناة التي يعانيها الكثيرون في حياتهم هي نتيجة تخبيصهم أو تخبيص القريبين منهم أو المتربطين بهم. في بيوتنا وحياتنا الاجتماعية والشخصية الكثير من التخبيص والقليل من الموضوعية والنظام ولهذا ترتفع معاناتنا وتكثر مشاكلنا ولا ندري كيف نخرج من متاهات دخلناها بتخبيصنا. في حالات كثيرة قد لا يكون التخبيص مقصوداً وقد يحدث بحسن نية وفي حالات كثيرة أيضاً يحدث بشكل متعمد ومخطط وممنهج، مثل مفهوم الفوضى الخَلاّقة الذي ابدعه الأمريكان حيث يتم اثارة الفوضى في منطقة ما لتغيير أوضاع قائمة والوصول إلى أوضاع جديدة تخدم مصالحهم.
‏التخبيص ظاهرة ادارية، والإدارات التي تمارس التخبيص نراها في كثير من مؤسساتنا، هي ادارة فاقدة للخبرة في بعض الأحيان، ادارة فيها من الكثير من صفات الأطفال فالطفل قد يتصرف بطريقة تؤذيه دون أن يشعر وقد يؤذي الآخرين وهو يضحك، الأمر هنا يتعلق بإدراك الأمور والذي قد يستغرق عمرنا كله حتى نتمكن من التمييز بين الصواب والخطأ أو المنطقي وغير المنطقي، وهناك حوادث قاتلة حدثت في بيوت يمرح فيها طفل غير مراقب ويتصرف بسذاجة قاتلة..!
‏وهناك ادارة تمارس هواية التخبيص عن عمد  سعياً لتحقيق مصالح شخصية، ومن ثم فإن المنطق والعمل بشكل مخطط ومبرر وواضح لن يمكنها من تحقيق مآربها التي لا تجد لها طريقاً إلا في بيئة يسودها التخبيص، فتُوسد الأمور إلى غير الأكفأ، تُقرب الذي لا يستحق وتُبعد من يستحق، وتعادي مبدأ وضع الرجل المناسب في المكان المناسب، وتعمل هذه الأدارة بمبدأ “فرق تسد” بقوة لأن التوافق والانسجام والتكاتف يضع عقبات أمامها وأمام مصالحها..!
‏المناخ العام هنا سيكون صعباً للغاية وسيعاني الموظفون معاناة شديدة وسيبقى أمامهم ثلاث خيارات، الأول: أن ينضموا “كخباصين مميزين”  في فريق ادارتهم التخبيصية فيمدوها بالعون والمساعدة ويجنون مكاسب مادية ومعنوية ويصبح لهم قدراً ومكانة في المؤسسة. الخيار الثاني: أن يرفضوا المشاركة في الفاعليات التخبيصية اليومية ولكن في نفس الوقت يغضوا أبصارهم عن التخبيص وأصحابه ويجتهدون بقدر ما يستطيعون في حماية أنفسهم من أفعال وشرور أهل التخبيص والدروشة الادارية، وهو خيار مرهق ومكلف. الخيار الثالث: أن يحاربوا التخبيص والخباصين، يدخلوا معهم في مواجهة مباشرة ودامية يترتب عليها الإنتصار العظيم أو الهزيمة الساحقة، وهنا لن تسع المؤسسة الاثنين معاً، أحدهما يجب أن يقضي على الآخر..!
‏المؤسسات تدفع ثمناً كبيراً بسبب أفكار وأفعال إدارة يقودها مجموعة من أهل التخبيص و”البهللة” وهناك مؤسسات ماتت وأخرى في طريقها إلى الموت فما يفعله الخباصون ليس بالأمر الهين. لا مجال للثقة في مؤسسة تقودها ادارة مخبصة ولا مجال للطموحات في مؤسسة تقودها ادارة “طقها وإلحقها..” ولا بحث عن العدالة في مؤسسة تقودها ادارة “ما أوريكم إلا ما أرى”.
‏النظرة البعيدة هي العدو الأول للتخبيص، حيث لا يتمكن الانسان من رؤية ما هو أبعد من تحت أقدامه فيتصرف طبقاً لهذه الرؤية، والنظام هو العدو الثاني للتخبيص، فالتخبيص يتواجد حيث تتواجد الفوضى وإذا لم تتواجد الفوضى فالتخبيص يخلقها..!
‏إلى كل “مُخبص” وإلى كل نصير ورفيق “للتخبيص والمخبصيين” .. ارحم نفسك وأهلك ومؤسستك ووطنك وتنح عن القيادة حتى لا تتخطاك رحمة الله .. وحتى لا تلحقك دعوات المظلومين بالانتقام والعقوبة..!
‏أ.د. صالح الرشيد
‏⁦‪  @ssalrasheed
شاركها
  •  
  •  
  •  
  •  
  •  
  •  
  •  
  •  
  •  
  •  

One thought on “التخبيص الاداري

  • at 1:52 م
    Permalink

    بوركت مقال في مكانة ..وحروفة تلمع بالمصداقية..ونحتاج التوعية والنشر على أوسع نطاق..زاد الوضع واستفحل الظلم والاستبداد والخبصة…حتى كثر الضحايا والمتظلمين.. وقل الناصرون المؤيدون والنهاية مأساوية يبقى الطالح ويرحل الصالح.

    Reply

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

جار التحميل...