القبعة الأنثروبولوجية

إن كان ديبونو قد كتب عن قبعات التفكير الست، فسأكتب عن ” القبعة الانثروبولوجية “، فكرت أن أكتب عن هذا الموضوع بعد أن صادفت إحدى الزميلات وهي تحدثني بكل صدق وشفافية عن واقع تعيشه من احتراق نفسي، وعلاقات شخصية تنافسية تسود في البيئة التربوية، وضعف قائدة المؤسسة عن إدارة وتغيير المناخ السائد، رغم أنها أثنت عليها كثيرًا من حيث دعمها للجميع.
“القبعة الانثروبولوجية ” ما هي إلا قطعة غطاء للرأس يرتديها المشرف لأداء مهمته الأساسية بحكم منصبه الوظيفي فترة الجولات، أو أثناء المداولة الإشرافية، ولكن الدور الحقيقي للمشرف التربوي الذي يرتدي هذه القبعة لا يقف عند هذا الحد، بل يتعداه بكثير، ولن أتطرق لمهامه وأدواره وكفاياته، بل سأركز في حديثي عن فن إدارة الأفراد والعلاقات الإنسانية وتأثيرها الإيجابي في رفع هذا الاحتراق.
الإنسانية هي فلسفة أخلاقية تركز على قيمة وكفاءة الإنسان ومدى احترام الفرد للبشر، والعلوم الإنسانية تسمى “بالعلوم المعنوية” بمعنى أنها تدرس واقع الإنسان وتتناول تفاعلاته المختلفة وتسعى إلى ضبط طبيعته.
كما أن العلاقات الإنسانية الإيجابية ليست مجرد خبرة واحساس يكتسبها الفرد من خلال الممارسة بل أصبحت علمًا في فن التعامل مع الأفراد والجماعات وإدارتهم ورفع روحهم المعنوية، وتخفيف حدة المعاناة النفسية، كما تركز العلاقات الإنسانية على السلوك الإنساني في بناء هذه العلاقات الإيجابية مع الآخرين.
والمشرف “الإنساني” هو من يتسم بقيم ومُثل الأخلاق الإسلامية أولًا، ويحترم الإنسان لشخصه ثانيًا.
إن المشرف الإنساني هو من يجيد فن الاتصال ويغذي الجماعة بخبراته وتقديراته الصحيحة للأمور مُطبقًا لمبادئ العلوم الانسانية ليكسب ثقة من حوله، ويصل بهم إلى أفضل كفاية إنتاجية.
إن من يتولى مهمة الإشراف التربوي وتحقيق أهدافه ينبغي أن يعرف كيف يرتدي هذه القبعة، وهي لا تكمن في زيارة مدتها ساعة أو ساعتين، بل من خلال معايشة حقيقية لهذا المجتمع المدرسي بحيث يدرس السلوك البشري من جميع جوانبه الطبيعية، والسيكولوجية، والاجتماعية، ليدرك العلاقات، والثقافات، والقيم، وهو من يبحث عن المعلم المتميز ليدعمه، ويبحث عن المعلم الأقل أداءً ليثريه، ويبحث عن المعلم المُحبَط ليرفع من معنوياته ويشبع من حاجاته.
وتتعدد القصص الإنسانية الرائعة والمواقف الداعمة التي يطبقها المشرف وهو يرتدي قبعته الإشرافية من خلال دعمه، وتحفيزه، وتوضيحه للأدوار، ومعالجة المشكلات وسبل المساندة التي يقدمها حتى يرفع من الإنتاجية والحماس في البيئة التربوية، وهذا ما أكدته نظرية هرزبرج في العلاقة بين مشاعر العاملين وإنتاجيتهم.
إن من يرتدي القبعة الإشرافية يقدر قيمة الذكاء الفني، ويتحلى بقيمة الذكاء الاجتماعي الذي يعمد إلى بناء العلاقات الإنسانية لصالح زملاء العمل، لأن الاتصال هو غذاء العلاقات الإنسانية، ويمكن أن نلخص أشكال العلاقات الإنسانية التي يمكن أن يمارسها المشرف التربوي في الصداقات الإيجابية المخلصة، وبث روح التعاون والتنافس الشريف، وتكوين القيم المرغوبة، وتكوين الاتجاهات والآراء وتوجيهها، وتغليب المنطق على الانفعالات.
ويشير “ستيف ديك” إلى أن العلاقات الإنسانية تتعدى أكثر مما ذكر، فإنها تحمل معنى أن يشترك الزملاء مع الرؤساء في العمل تجاربهم الحياتية، وأن يتحدثوا عن مشاعرهم وعن صداقاتهم، وحتى عن حياتهم العائلية، وفي ذلك تنظيم للتعامل بين الزملاء في المجتمع المدرسي.
إن العلاقات الإنسانية تستلزم تعلم “الفلسفة البشرية” ومهارة “الإدارة بالأخلاق” والقيم التي تمثل أهم ركائز ومتطلبات العمل الاشرافي، ونحن اليوم في أمس الحاجة لها أكثر من أي وقت مضى؛ لأننا نعيش مرحلة تطويرية جديدة، ونحتاج إلى كل ما يتعلق بنظريات الفلسفة الأخلاقية من سعادة، وحرية، ومسؤولية وهذه من أخلاق “البراجماتيوون”، حيث اعتقد “جون ديوي” أن بعض المجتمعات قد حققت تقدمًا أخلاقيًا بقدر ما حققته من تقدم في مجال العلوم.

بقلم الكاتبة/ د. أروى أخضر
Twitter:@arwaakhdar

شاركها
  •  
  •  
  •  
  •  
  •  
  •  
  •  
  •  
  •  
  •  

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

جار التحميل...