الإبداع وقيد التدريب

 

في مقال سابق لي بعنوان ” علاقة أداء الموظف بزمن وعدد الاجراءات ” تطرقت إلى التأثير الطردي بين مستوى أداء الموظف والانجاز ، وقلت : أن ” قدرة  الموظف على تقليص أو تعديل عدد إجراءات كل مهمة، سيُنتج طرديًا تقليص الجهد والوقت والمال في أداء المهمة ” . أيضاً : ” عندما يستلم الموظف مهامه ويؤديها كما هو مطلوب منه، أو وفق ما يؤديها موظفون سابقون ، ستكون هذه المهام قائدة له ”

وبالتالي هذا يقودنا إلى السؤال الأهم وهو كيف أخلق لدى الموظف القدرة على تقليص أو تعديل  عدد الاجراءات ، وهذا  يحتاج إلى ابداع ، والابداع لا يأتي إلا من خلال ممارسة العمل المراد الابداع فيه ، بعد معرفة أصوله ، وللجواب على هذا استأذنكم في سرد  القصة التالية ، التي قد يعرفها البعض ، يحكى أن هناك طالب جامعي نام  أثناء المحاضرة ، وعندما استيقظ وقد انصرف الجميع ، رأى على السبورة مسألة رياضية ، كتبها في كراسته ، وخرج ، وعندما عاد في اليوم التالي سلمها للدكتور المحاضر ، فسأله ما هذا ، فقال المسألة التي طلبت منا حلها بالأمس ، ألقى الدكتور نظرة على كراسة الطالب ، فوجد مسألته بالأمس وقد  حُلت ، أخذها وعرضها على أكثر من عالم رياضيات ، الجميع أجمع أن الطالب عبقري بحله هذه المسالة التي  كانت قبله من المسائل الرياضية مستحيلة الحل . علمنا بعد ذلك أن المحاضر قد كتبها في معرض حديثه للطلاب عن استحالة حل بعض المسائل ، إلا أن هذا الطالب لم يسمع كل هذا ، وبالتالي فقد كان ذهنه صافيا من العراقيل التي زرعها المحاضر في عقول زملاءه ليبني أمامها حاجز وهمي مانع لهم للانطلاق في التفكير وسبر أغوار واستكشاف وخلق الجديد ، الجميع استسلم باقتناع لقول المحاضر إلا هذا الطالب ، لم يسمع ، ولم يرى ، وبالتالي وجد عقله السبيل للانفتاح والابداع ، نعم جميعهم لديهم الأساسيات  لهذا العلم أو ذاك ، ولكن الفضاءات والمجالات تختلف من حيث المساحة إننا نمارس ما مارسه ذاك المحاضر في حياتنا الأسرية مع أطفالنا الصغار فهم ولودوا وقد حباهم الخالق جل في علاه عقول منفتحة على الكون ، لديها كل الأدوات للاستكشاف والتجربة ، ثم نترصدهم في كل وقت وفي كل مكان بـ ( أفعل ولا تفعل ، هذا خطأ ، وهذا صواب ) مسارات صناعية حجبت عقولنا عن فضاءات التفكير الحر ، ربما قتلت فينا وخلال رحلة الحياة ، المرح ، الشجاعة ، الصراحة الشفافية  العفوية ، الانفتاح ، إنها أعراف وتصورات وأحكام تلقى على مسامع الطفل مرة تلو مرة حتى يتشربها فتضغط رويدا رويدا لتضيق مساره الواسع ، فلا تجده إلا نسخة أخرى من أفراد مجتمعه . وفي الحياة الوظيفية يترصد لنا الرئيس المباشر أو موظف خبير ، أو غير خبير بكل هذا ، فلا يجد الموظف في سنة تجربته الوظيفية غير تدريب مكثف مباشر أو غير مباشر، وطوفان من التوجيهات والقوالب الجاهزة ، ليمارس عمله من خلال وعي مشروط ، ظاهرياً هو يعي ما يقوم به ، و يؤديه كما ينبغي ، إلا أن هذ الوعي وفق شروط مفروضة على أسلوب تأديته لهذه المهام  ، هو يعي أفعاله ، ولكنه يحمل في اللاوعي قيوداً فكرية لطريقة  تأديتها جراء السيل المنهمر على بصره وسمعه  من تعليمات وتوجيهات. إن الخريج لم يعين من قبل الجهة المختصة إلا بعد التأكد من أن مؤهلاته وجداراته تتوافق مع متطلبات الوظيفة ، وبالتالي عند توجيهه فهو لا يحتاج في سنته الأولى سوى إلى تعريفه برسالة  منظمته وبالأنظمة والأهداف الاستراتيجية ، وبإدارات وأقسام منظمته ، وبزملائه وبمهامه ، وواجبات الوظيفة ، جاء في اللائحة التنفيذية للموارد البشرية
مادة ( 124): ( يتم تقويم أداء الموظف خال مدة التجربة مرة على الأقل لتحديد مدى صلاحيته للاستمرار في شغل الوظيفة. ولا يخضع تقويم مدة التجربة لأسس ومعايير ومستويات عملية إدارة الأداء إنما يتم التقويم بناء على الواجبات والمهمات الوظيفية(.

 

إذاً طريقة تأدية هذه المهام وإجراءاتها ونماذجها وخارطة تدفق عملياتها ، فتترك للموظف خلال فترة التجربة ، ليظهر طريقته في التنفيذ ، مع متابعته والإشراف عليه عن بعد ، وبالتالي سيجد عقله الطري المنفتح مساحة للإبداع وتشكيل قوالبه الوظيفية الخاصة وصناعة نماذج وآليات وطرائق جديدة للإنجاز بجودة عالية .

والرسم أدناه يوضح العلاقة العكسية بين التعليمات والإبداع

 

 

أ. محمد بن صنهات

@MohdSanhat

شاركها
  •  
  •  
  •  
  •  
  •  
  •  
  •  
  •  
  •  
  •  

One thought on “الإبداع وقيد التدريب

  • 28 يوليو، 2020 at 21:15
    Permalink

    جميل جدا
    شكرا

    Reply

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.