الأمراض الإدارية

یعاني مجتمعنا العربي من أمراض إداریة مزمنة، ولأن الجھاز الإداري یعتبر أحد أھم ركائز المجتمع . والمجتمع السوي المتكامل ھو ركیزة كل كیان یسعى للتنمیة الإداریة وللتطور بثقافتھ وقیمھ السمحة المستمدة من الدین الاسلامي، فانھ متى ما تم تقدیم المصلحة الخاصة على الصالح العام .. ھنا تتفشى الأمراض الإداریة.
و في إطار الانتشار الواسع للعولمة وأضرارھا المتمثلة في التخلي عن بعض القیم الإسلامیة؛ ھناك عدة امراض تفتك بالجسد الإداري رغم العلاجات المتعددة ، أذكر لكم أبرز ثلاثٍ منھا :

.
مرض المحسوبیة ( Nepotism ) :

وھو نمط سلوكي ینطلق من دوافع شخصیة واعتباریة تقوم على استغلال النفوذ في الإدارة لتحقیق مآرب شخصیة لیست معتبرة شرعاً، وھذا المرض الأكثر شیوعاً، والذي یعاني منھ الكثیر من المجتمعات الوظیفیة كوجود شخص غیر مناسب في منصب یحتاج كفاءة أعلى، ولا شك أن لھذا المرض آثار سلبیة كثیرة على مستوى الكفاءة في الإدارة و المسؤولیات لأن القرارات و الاجراءات تقوم على الوساطة والمحسوبیة مما یؤدي ذلك الى إعاقة إداریة و یعمل ذلك على تعطیل عملیة تكافؤ الفرص والمساواة، وغرس العداء في النفوس و إضعاف الثقة بنزاھة الإدارة و عدالتھا و الحد من الطاقات البشریة و جعل الإمكانات الفذة تفقد طموحھا لمحدودیة القدرات الموجودة والترھل الوظیفي والضرر بالاقتصاد بشكل عام .. على الصعید الشخصي لست ضد توظیف ذات الصلة بالقرابة إذا كان مؤھل 100٪ للمنصب دون ھضم لحقوق الآخرین أو ظلم، وذلك عند مراعاة الله سبحانھ وتعالى واعطاء كل ذي حق حقھ وفقاً لما یستحق لا أكثر.

.

مرض الانتھازیة ( Opportunism ) :

وھو انتھز الفرصة في إدارتك أو فریقك أو قسمك بشكل یفتقر للذوق الأخلاقي، و كن محتالاً أو عدیم الضمیر و الأخلاق ، فھي في نظر الانتھازیون مھارة؛ لأن المصاب بھذا المرض لدیھ اضطراب بالمفاھیم فالخبث دھاء ! والالتزام تعقید ! والصدق سذاجة ! والباطل حق … وھلم جراً.
وھذا المرض خطیر قد ینمو مع الشخص منذ طفولتھ ویرى أن اللوائح والأنظمة في بیئة العمل وضعت للتقیید. وأنھ لا بد أن یحتال علیھا وكثیراً ما ینتھكھا للمنفعة الذاتیة..
یُجید الضجیج دون اي إنجاز أو إنتاج، ویعتمد على جھود الاخرین ویسرقھا دون حیاء، وكل تركیزه على ما لھ مردود إعلامي لیضخّم ما یعده إنجازا لھ !.
وھذا المرض ینتشر سریعا الى أن یستفحل وتتزاید ضحایاه، لكن لبیئة العمل دور في استئصالھ أو تكریسھ بناءً على جودة البیئة، فانتھاز الفرص لیس بھذا الشكل وفي نفس الوقت لیس المراد تضییع الفرص التي قد تسنح للموظف بالترقیة أو التقدم بالعمل لأنھا لا تصبح فرصة إذا كان بھا إضراراً بالآخرین أو تفریط بالمصالح
العلیا أو الاھداف السامیة.

.
التعسف ( Abuse of power ) :
ھو سلوك یُسيء بھ الموظف استخدام السلطة والصلاحیات الممنوحة لھ، سواء ضمن الحدود النظامیة أو حتى خارج نطاق تلك الحدود، دون اي مبرر منطقي أو قانوني.
وتكمن ھنا خطورة ھذا المرض في صعوبة إثباتھ قانونیاً، وتعود أسبابھ الى مسائل نفسیة متعلقة بشخصیة
المدیر أو صاحب الصلاحیة، حیث إنھ یقوم بإصدار قرارات حسب نزعاتھ وحالتھ المزاجیة والتي لا تصب في مصلحة العمل أو الموظف أو حتى في خدمة الوطن.
ومن أعراض ھذا المرض أیضاً انعدام النزاھة والشفافیة، مما یؤدي ذلك إلى تشوه في الجسد الإداري فیتحول الموظف المبدع الى موظف محبط ومقید، ناھیك عن أثر ذلك على الفرد والمجتمع.
وفي دراسة حدیثة أجرتھا منظمة الصحة العالمیة أن الاضطرابات النفسیة تكلف الاقتصاد العالمي 1 تریلیون دولار أمریكي سنویاً من حیث فقدان الانتاجیة، كما انھا مرتبطة بالمشاكل النفسیة و البدنیة على حد سواء والتي ینجم عنھا انخفاض الانتاجیة و زیادة نسبة دوران الموظفین و الاثر السلبي على التفاعلات العائلیة
و الاجتماعیة، اضافة الى تدني تنمیة وتطور المجتمعات.
من ھنا یتبین لنا وجوب الحذر والاستشعار بأھمیة الوقایة من ھذه الأمراض لتقلیل خطر انتشار فیروسات تدمر المجتمعات الوظیفیة وتعود بھا للوراء في خضم سعیھا للنمو وزیادة سرعة عملھا.
فالإصابة ببعض الأمراض الإداریة التي تھاجم الجسد الإداري تؤدي إلى تشوھات وفي بعض الحالات تصل إلى موت ذلك الكیان ، وإن لجأ بعض المدراء أو أصحاب القرار والصلاحیة لاستخدام المسكنات أو حقن التخدیر و التي تتمثل بالوعود الكاذبة وأسالیب التأثیر على العواطف بسبب وضع الموظف المادي أو الاجتماعي
أو الصحي ….. الخ إلا أنھا مؤقتة وسیعود الألم كما كان أو أشد وطأة!.
و لو تم التشخیص وفق منظور إداري من قبل أصحاب السلطة و الصلاحیة ووضع خطط وقائیة وعلاجیة و تنفیذھا من خلال:
عزم راسخ من قبل الجھات الحكومیة والخاصة في مكافحة ھذه الأمراض، ونشر الوعي بخطورتھا. الرقابة الإداریة والمتابعة والتوجیھ للكشف عن ھذه الأمراض واتخاذ ما یلزم لمكافحتھا أو لمنع انتقال العدوى لإدارات أخرى مستقبلاً، ولتحقیق النجاح والاستدامة بطرق صحیحة. ـ البرامج التدریبیة والتطویریة التي تسھم في رفع مناعة الإدارة بزراعة العدالة والقیم وتقویة الوازع الدیني، والتعامل الأخلاقي . اللجوء إلى التدابیر الوقائیة الاحترازیة وذلك بتجنب التعیینات المبنیة على مصالح شخصیة وتطبیق مبدأ التعیین على اساس الكفاءات وما یتطلب للمنصب من شھادات وخبرات.
كل ھذا وغیره مما یساعد وبشكل كبیر وفعال في علاج ھذه الأمراض والتقلیل من الأزمات الاقتصادیة والوصول الى بیئة عمل صحیة وسلیمة.

 

.
بقلم أ. خـلـود عـرفـات

@kholoud_arafat

شاركها
  •  
  •  
  •  
  •  
  •  
  •  
  •  
  •  
  •  
  •  

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

جار التحميل...