الأداء المؤسسي الموجه بالنتائج

تم إنجاز العديد من الفعاليات والأنشطة والبرامج والمشاريع … هكذا هي لغة التقارير الختامية لدى الكثير من المنظمات في مختلف القطاعات وهذه هي السمة والصبغة السائدة التي تنطلق منها تلك التقارير قبل سرد جداول البرامج وبياناتها وحجم الإنفاق عليها. ولكن هناك أسئلة رئيسة تلوح في الأفق، ماهي النتائج الفعلية المحققة من جميع تلك الجهود وماهو أثرها ؟ ماهو العائد من هذا الاستثمار في خطط المنظمات على أصحاب العلاقة المعنين والمستفيدين من هذه البرامج وماهي القيمة المضافة التي وجدوها؟

تعمل بعض المنظمات عند استحداث خدمة جديدة أو عند تطوير خدمة حالية أو منتج ما على استخدام المنظور التقليدي لسلسة القيمة الذي ينطلق من تحديد المدخلات ثم تصميم العمليات أو الأنشطة ثم الوصول إلى المخرجات إلا أنها رغم ذلك أحياناً وفي نهاية دورة حياة الحلقة لا تحقق نتائج إيجابية وتبوء الجهود بالفشل. فقد تقوم إحدى المؤسسات الربحية على سبيل المثال باستحداث برنامجاً للتطوير يشمل عقد عدة أنشطة تدريبية للموظفين وذلك مع أحد بيوت الخبرة التدريبية في مجالات معينة قد تراها تلك المؤسسة محط احتياجهم وتكون مخرجاتها تأهيل هؤلاء الموظفين على مجموعة من المهارات، إلا أنها لا تحقق أحياناً سلسلة النتائج التي تبدء من رفع ولاء العملاء وزيادة عددهم وتنتهى بزيادة أرباح تلك المؤسسة وحصتها السوقية.

يقدم الأداء المؤسسي الموجه بالنتائج مفهوماً متقدماً يمثل النضج الإداري للمنظمات كونه يعتمد على التخطيط المؤسسي العكسي ( Backward Planning Design ) الذي يبدء في مراحله الأولى من التخطيط بطريقة مقلوبة ينطلق من المرتكز الرئيس وهم أصحاب المصلحة سواء مستفيدين أو عملاء أو موظفين أو مجتمع من حيث تحديد متطلباتهم واحتياجاتهم أو المشكلات التي يواجهونها وتحويلها إلى أثر للجهود الذي سيتم بذلها ونتيجةً نهائية بعيدة المدى تتمثل في رفع  رضاهم وإسعادهم وكسب ولائهم للمنظمة وتحقيق الأرباح والعوائد للمنظمة. ولكي نصل لذلك يتوجب على المنظمة السعي لتحقيق نتائج متوسطة المدى تتمثل في بعض الفوائد المرحلية والتحسينات على المنظمة كزيادة الإنتاجية على سبيل المثال أو تقديم الخدمات إلكترونياً لتوفير الوقت والجهد. أما النتيجة قصيرة المدى فتكمن في المخرجات الأولية التي ستعمل عليها تلك المنظمة كتوفير طاقم مؤهل ومدرب لتولي عملية التطوير وتحقيق النتائج المنشودة . وهذا ما يمسى سلسلة النتائج بخلاف ما تكتفي به الحلقة التقليدية وهي الوصول فقط إلى المخرجات الرئيسة من البرامج والمشاريع التي تنفذها .

تأتي مرحلة تخطيط آلية تشغيل العملية كخطوة أخيرة لابتكار المنتجات والخدمات الجديدة أو التحسين عليها والتي تتدرج من تصميم الأنشطة والبرامج والمشاريع التي تتناسب مع سلسلة النتائج المرجوة وتسهم في تحقيها وصولاً إلى تحقيق العوائد والأهداف التي تم إنشاء المنظمة من أجلها سواءً كانت ربحية أو غير ربحية، وأخيراً اختيار المدخلات والموارد الملائمة لتلك البرامج والمشاريع تفادياً للهدر بكافة أنواعه وخاصةً مانراه من تكدس وتلف للكثير من المواد غير الضرورية في المستودعات والناتجة عن عمليات الشراء غير المخطط لها وفق منظومة العمل بالنتائج .

بعد رسم مسار التحسين والتخطيط له بالطريقة العكسية تنتقل المنظمة إلى مرحلة التنفيذ والتطبيق الفعلي التي تمر من خلالها بجميع الخطوات السابقة انطلاقاً من المدخلات الملائمة مروراً بتصميم الأنشطة وبناء البرامج ثم السعي لتحقيق سلسلة النتائج وصولاً إلى نيل النتيجة النهائية المرجوة التي تعكس أثر استثمار تلك الموارد والجهود وتعين المنظمة على تحقيق أهدافها بقطع النظر عن مجال عملها .

دعونا نضع ذلك عملياً على أحد البنوك على سبيل المثال الذي يعاني من تسرب العملاء وتبين بعد الاستفتاء والمقابلات أنه نتيجةً لطول فترة الانتظار بسبب كثافة المستفيدين وبطء إنتاجية الموظفين مما يؤثر على الأرباح. وهنا يتم تحويل هذه المشكلة إلى نتيجة نهائية إيجابية وهي رفع الولاء وزيادة رضا العملاء وذلك من خلال زيادة سرعة الإنتاجية وتوظيف التقنية لكي يقلل البنك من كثافة العملاء في الفرع وكذلك وضع زمن محدد للإنجاز بواقع 3- 5 خمس دقائق لكل عميل وذلك من خلال تمكن جميع الموظفين على مهارات الحاسب الآلي والتعامل مع النظم البنكية الإلكترونية. ولكي يحقق هذا السلسلة من النتائج يتطلب تصميم الأنشطة والبرامج الملائمة كالتطبيقات الإلكترونية للخدمة عن بعد وتقليل إجراءات الخدمة وكذلك تنفيذ البرامج التدريبية للموظفين على مهارة سرعة الطباعة وغيرها ، وأخيراً اختيار المدخلات المناسبة كالمؤسسات التدريبية وشركات البرمجة والتجهيزات والموظفين وجميع مايحقق الغاية المرجوة ثم الانتقال إلى مسار التنفيذ كما تم إيضاحه مسبقاً للوصول إلى نتائج متميزة تتبلور في الموظفين المؤهلين والخدمة السريعة والإلكترونية المبتكرة التي تسعد العملاء وتوط علاقتهم بالبنك مما يرفع نسبة الأرباح والمكتسبات .

أخيراً أقول أن بعض المنظمات سواءً الحكومية أو الخاصة تقوم ببناء الخطط التطويرية الاستراتيجية والتشغيلية وتصمم العديد من البرامج المختلفة التي قد لا يصل إلى المستفيد النهائي منها إلا قليل الأثر مما يتطلب إعادة النظر فيها وجعل التركيز على النتائج شعاراً للعمل والاستفادة من التقارير والمؤشرات المحلية والعالمية التي تصنف المنظمات والدول في المجالات المختلفة بناءً على النتائج المحققة لا بعدد البرامج والمشاريع والأنشطة المنفذة.

 

عبدالعزيز عبدالله المحبوب

رئيس الجمعية السعودية للجودة بالمنطقة الشرقية

@azizmahb

شاركها
  •  
  •  
  •  
  •  
  •  
  •  
  •  
  •  
  •  
  •  

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

جار التحميل...