إدارة المعرفة في المُنظمات العربية: والرؤية المُستقبلية

في إحدى الشركات الصناعية (في الكويت)، غادر أحد أهم المُهندسين الفنيين القدامى، عملهُ مُقدماً على استقالته، وذلك بعد أن قضى سنواتٍ من الزمن، في عمله بتلك الشركة، والتي استطاع من خلالها أن يجمع مبلغاً جيداً، لكي يبدأ مساره المهني الجديد، فيعمل بمشروعه الخاص ولحسابه فقط، وذلك ما حدث حقاً.

فمضت مدة أيامٍ قلائل، على تركه العمل في الشركة، حتى تعرّضت إحدى الآلات في مصنعها، لعطلٍ فني مباغت، صاحب ذلك العطل للآلة الصناعية؛ توقف نشاط الخط الإنتاجي الذي كان يستعين بتلك الآلة في المصنع، فحاولت الشركة إصلاح ذلك العطل في لحظاتها، وذلك بعد أن اكتشف الفنيون موضع الخلل، فلم يفلحوا، فكرر الفنيون المختصون تلك العملية لمدة نهارٍ كاملٍ، فأخفقت جهودهم في احتواء تلك المُشكلة، وأخيراً قررت الشركة استبدال القطعة المُعطلة بقطعةٍ أخرى جديدة، ولكن المفاجأة كانت بعدم اشتغال الآلة أيضاً، مما زاد الأمر تعقيداً.

الأمر الذي حدا بالشركة، أن تستعين بذلك المهندس الفني القديم، من أجل قيامه شخصياً بإصلاح خلل الآلة، وحينما أتى المهندس في نهار يومٍ جديد، وهو لا يحمل معه سوى حقيبة محمولة صغيرة، فيها بعض الأدوات التي يستخدمها في وظيفته، قام بإعادة تركيب تلك القطعة الجديدة من فورهِ، ثم أخرج مِطرقة صغيرة من حقيبته؛ وذلك من أجل القيام بإعادة مُلائمة ووضع القطعة الجديدة في مكانها المناسب، ولكن (وفق وضعيّة فنيّة ملائمةٍ ومُعينة)؛ لا يمكن للآلة أن تعمل إلّا وفق تلك الوضعية المُلائمة في التركيب.

وبالفعل، فقد عادت الآلة إلى العمل بعد انقضاء دقائق قليلة، على معالجة وإصلاح ذلك المهندس الفني (القديم) لها، وحينما طلبت الشركة منه تحديد المبلغ (الذي يجد أنه يستحقه)، نظير إصلاحه للآلة، قدّم فاتورة الإصلاح بمبلغ (200) د.ك.!!، ولأن المبلغ الذي أراده ذلك المهندس كان كبيراً جداً وغير عقلاني، في مقابل ما قام به من جُهد (وفنٍ)، فقد طلب منه المدير المسؤول عن عمليات ذلك الخط الإنتاجي، تفسيراً وتفصيلاً في الفاتورة بكل دينارٍ يطلبه، فعاد المهندس ليكتب على نفس الفاتورة الآتي: “(1) د.ك. نظير استخدام مِطرقتي الصغيرة، و(199) د.ك. هو ثمن “معرفتي” (My Knowledge) بتركيب ومُلائمة القطعة الجديدة، وبالتالي مُعالجتي للخلل والعطل في الآلة”.

 

مفهومي “المعرفة، وإدارة المعرفة”:

من (منظورٍ إداري) تُوصف “المعرفة” (The Knowledge Concept): بالمعلومات المُعالجة والغنيّة وحصيلة الخبرات والمهارات؛ التي تؤدي بدورها إلى إحداث التغييرات في العمليات والنشاطات والفعاليات الإنتاجية، وبالأشياء، وفي الأشخاص أيضاً، حتّى تجعل من الأفراد والمؤسسات ومنظمات الأعمال؛ قادرين على القيام بأدوارهم، وممارسة أعمالهم المتمثلة بالعمليات والنشاطات الإنتاجية، على تنوعها.

كما يتم إنشاء وتطوير المعرفة، من خلال التفاعل ما بين نوعي المعرفة: (الصريحة) و(الضمنيّة) أو (الكامنة). وتتميز المعرفة بعدّة خصائص، من أبرزها: أنها أثيرية وغير ملموسة، كما أنها لا تُستنفد مع الاستخدام، بل تتوالد مع استخدامها في الواقع.

وأما إدارة المعرفة (Knowledge Management)، فتُعرف: بأنها تلك العملية المنهجيّة، الهادفة لتوجيه والاستفادة من كافة المخزون والرصيد المعرفي المُتراكم والمتواجد في مختلف وحدات الأعمال والإدارات والأقسام التنظيمية، كما تُعد مسؤولة عن الاستخدام (الخلّاق) للمعرفة (أي بإنشائها وتطويرها)، وذلك فضلاً عن استخدام المعرفة إمّا من خلال: (أ) تحقيق رافعتها المًتجسدة في تعدد الحالات المتشابهة، أو المجالات المختلفة، في العملية الإنتاجية، (ب) أو الاستفادة منها؛ في توليد معارف أخرى جديدة وذات قيمة.

هذا وإنّ أحد أهم المُؤشرات التي تُقاس من خلالها (المعرفة المنظمية)، بل وأكثرها شيوعاً واستخداماً في البحوث والدراسات العلميّة المُتخصصة، هو مُؤشر: “الإبداع”، ويُعنى بهذا الاصطلاح هنا: أي قابلية إبداع المفردات المتنوعة من رأس المال البشري في المنظمات، فإذا أثبتت الدراسات؛ وجود مستويات عُليا من الإبداعات من قِبل أفراد المجتمع الوظيفي، مع الاستفادة من تلك الإبداعات (ما أمكن)؛ على صعيد العملية الإنتاجية برمتها؛ هنا تعُد المنظمة (علمياً): منظمة قائمة/ أو مُستندة بأنشطتها على المعرفة (Knowledge-Based Organizations).

وعلى صعيدٍ آخر مرتبط، وهو (الجانب السلوكي)، فلا يُنكر أي باحث مُتبصرٍ في السلوك التنظيمي، أن الإبداع قائم على مهارات عدة، من أبرزها وأهمها على الإطلاق: (1) مهارة الطلاقة، (2) مهارة المرونة، (3) ومهارة الأصالة، وهناك غيرها من المهارات التي لا يتسع المجال لذكرها.

ويُعنى “بمهارة الطلاقة” الإبداعية: توليد أفراد المجتمع الوظيفي؛ لأكبر عددٍ من الأفكار والمُترادفات، والحلول والبدائل للمُشكلات المطروحة في المنظمة. بينما تشير “مهارة المرونة” الإبداعية: إلى إمكانية تفكير أفراد رأس المال البشري في التنظيم، بطرائق مُختلفة وغير مألوفة، بل ونظرهم إلى المُشكلات من زوايا غير اعتيادية وأبعاد مُتمايزة. وأما “مهارة الأصالة” الإبداعية: فتعني القُدرة على الإتيان بأفكارٍ جديدة ونادرةٍ، ويجب أن تكون مُفيدة بفحواها وقيمها العلميّة.

وهنا التساؤل الذي يفرض نفسه، وهو: في مؤسساتنا العربية يا ترى، كم تبلغ النسبة العددية، من الرؤساء التنفيذيين، والمديرين، ورؤساء الوحدات الإدارية والأقسام، والمشرفين، وكل مسؤول عن مجموعة من الموظفين؟ الذين يسمحون بإشاعة وتشجيع، ونشر واتّباع (ثقافة التفكير الإبداعي) في مؤسساتهم ومنظماتهم، مع مرؤوسيهم ومختلف الشرائح من الموظفين وأفراد فِرق العمل المتنوعة؟؟، إنه سؤال يحتاج إلى وقفةٍ تأمليةٍ حقاً، وتتبعها حالات من العصف الذهني المُتقد؛ المُنتج لعدة إجابات وأفكار ورؤى وتصورات بعيدة المدى.

إدارة المعرفة، ورُؤية مُستقبلية:

لعل سائل يتساءل: ما هي الجدوى من السعي، لإيجاد إجابات تُعبر عن حقيقة وواقع، دعم مؤسساتنا ومنظماتنا العربية المختلفة؛ للتفكير الإبداعي ومعارف أفرادها وقواها العاملة المتميزة؟؟. والإجابة تقول: كون تلك المعارف مُرتبطة بصورة حتميةٍ، بحقيقة الطابع المُتغاير لبيئة الأعمال، وذلك في عصر المعلومات والمعرفة والسرعة، إذ تتصف هذه البيئة التنافسية بخصائص مُتعددة، من أبرزها: (1) شدة التعقيد، (2) الديناميكية (أي عدم الثبات)، (3) وحالات عدم التأكد البيئية، التي تعتري جميع المنظمات وشركات الأعمال الكبيرة، سواء إقليمياً أم محلياً.

وعليه، فإن الحل: وهو ما يمثل بالنسبة للقادة الاستراتيجيين والمديرين التنفيذيين وكافة الرؤساء والمسؤولين؛ (بؤرة الانطلاقة)؛ نحو اكتساب الميزة التنافسية؛ يتجسد (بالمعرفة وإدارة المعرفة).

إذ باتت هناك ضرورة مُلزمة، وهي أن تحتل (المعرفة) بنصيبها؛ (حصّة الأسد) من الاهتمام والتضمين لها، في كافة البنود والفقرات من عمليات: صياغة وتنفيذ وتقييم الاستراتيجيات المُتبعة في منظماتنا العربية، وذلك لسببٍ، لا يَخالُ الباحث أنه خافياً عن المُتبصرين جيداً من القادة الاستراتيجيين والمديرين، وهو كون أن المعرفة التنظيمية هي ما يُجسّد السلاح الاستراتيجي الأقوى والأجدر؛ في المراهنة على بقاء وديمومة أية منظمة في الساحة التنافسية للأعمال. ومن يُراهن على عكس ذلك، فإنما هو واهم من دون شكٍ.

الدكتور: ناصر ساجد الناصر

دكتُوراه الفلسفة في الإدارة

(إدارة المعرفة واستراتيجيات الموارد البشرية)

مُحاضر ومُدرب متخصص ببعض المجالات الإدارية- الكويت

Twitter: @Academic_Doctor

شاركها
  •  
  •  
  •  
  •  
  •  
  •  
  •  
  •  
  •  
  •  

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

جار التحميل...