إدارة الأزمات، والإدارة بالأزمات

قبل مُدة، تناول الباحث إدارة الأزمات، في مقالة علمية تحليلية، بصورة (شبه شاملة)، فتم أولاً تعريف “الأزمة” (Crisis): بأنها نقطة تحول مصيرية في مجرى حدثٍ ما، أو عدة أحداثٍ، تؤدي بدورها إلى دخول المنظمات والمجتمعات في منعطف جسيم، وهي تتصف إما بتحسن ملحوظ، أو بتأخر عاصف، كما أنها ترتبط بجذور وتداعيات قديمة، لا بُد لها وأن تزول؛ لتحل مكانها حلول ومعالجات؛ تصحبها تغييرات واضحة وملموسة، على الصعيدين الكمي والنوعي.

كما عُرفت “إدارة الأزمات” (Crisis Management): بأنها سلسلة فعلية من الإجراءات والنشاطات الإدارية، التي تهدف بدورها إلى احتواء الأزمة والسيطرة عليها، كي لا ينفلت زمامها، فتعمد الإدارة بذلك إلى الحد من تفاقمها، وإيقاف تزايدها. كما تعني استخدام الأدوات العلمية الحديثة، والمنهجية الإدارية العقلانية؛ من قبل ذوي الكفاءات القيادية والإدارية، من أجل التعامل مع الأزمة، بهدف تفادي خطورتها (ما أمكن)، وتجنب سلبياتها، والاستفادة من إيجابياتها.

للأزمة خصائص متعددة، من أبرزها: (1) وقوعها بصورة مفاجئة، فهي تباغت القادة الاستراتيجيين والمديرين ورؤساء الأقسام، (2) تتصف الأزمة بالتشابك والتعقيد، وذلك في حدود البيئتين الداخلية والخارجية للمنظمة، (3) غالباً ما تُصاحب الأزمة؛ الضبابية في الرؤية وعدم وضوح المسار، أمام القادة الاستراتيجيين وصُناع القرارات الإدارية، وغيرهم من المديرين.

وللأزمة أسباب مختلفة وكثيرة، فمنها: (1) ضعف القدرات التحليلية لدى بعض صُناع القرارات والمديرين، فقد تتوافر لديهم المعلومات كاملة، بيد أن عجزهم عن المعالجة التحليلية؛ يقف بمثابة حجر عثرة؛ أمام اتخاذ القرارات الصحيحة، (2) سوء التقييم والتقدير، والذي يعود في منشأه إلى السبب الأول (ضعف القدرة التحليلية لدى صانع القرار)، (3) الإدارة العشوائية، (وإنّ نعت كاتب هذه السطور لها بمُفردة “إدارة” ما هو إلا لفظ مجازي)، فهي لا تُعد إدارة، بل هي تخبط ناجم عن طائفة من الأمزجة والأهواء الشخصية، لبعض الشخصيات التي تجلس على مقاعد صناعة القرارات الإدارية، (4) والمبالغة في التضخيم للأحداث، إذ تقع الكثير من الأزمات، وغالباً ما يكون مصدرها الوحيد؛ إشاعة بُثت في مكان أو مجتمع ما، وفي ظروف معينة، فتجد تلك الإشاعة طريقها إلى من يروج لها، سواء أكان ذلك عن دراية وعلم، أم عن حماقة وجهل.

حتى هذه الجزئية، فإن ما جميع ما سبقت مناقشته، كان في سياق الارتباط (بإدارة الأزمات)، ولكن هناك مفهوم علمي آخر؛ وهو (الإدارة بالأزمات)، فقد تجد نسبة من الإداريين الكُتاب والمُمارسين، من يخلط (إما جاهلاً أو متعمداً) بين المفهومين: (إدارة الأزمات)، و(الإدارة بالأزمات)!!. تُعرف “الإدارة بالأزمات” (Management By Crisis) بأنها: عملية تشمل مراحل وخطوات عديدة، تقوم على إيجاد الأزمات أو افتعالها، كطريقة للتمويه أو التغطية على مشكلات إدارية أوغيرها قائمة، تكون في مواجهة الكيان التنظيمي، فغض الطرف عن مشكلة ما، غالباً ما يكون عند حدوث مشكلة أخرى، تكون أشد وقعاً وأكثر تأثيراً، إلى حين انتهاء الأزمة الأولى والسيطرة عليها. ومن هنا جاء البعض ليطلق على (الإدارة بالأزمات): فن صناعة الأزمات؛ للتحكم في مجريات الأحداث الأولى، أو السيطرة على الآخرين.

مع سرعة تفشي وانتشار (فيروس كورونا) الذي حل في جميع دول العالم، خاصة بعد إعلان منظمة الصحة العالمية، تحول هذا الفيروس، إلى (جائحة ووباء عالمي) (Coronavirus Disease (COVID-19) Pandemic)، في آذار من العام الجاري (2020م)، فقد عمدت إدارات الخدمة المدنية وبعض المؤسسات في عدد من دول العالم، والدول العربية والخليجية، إلى الاستفادة من الأزمة القائمة، (بطريقة مباشرة وغير مباشرة)، وذلك من خلال توظيف مجرياتها، وتوجيه بعض أبعادها، في سبيل خلق أزمات أخرى!!.

على سبيل المثال: فقدان آلاف الموظفين من العمالة الوافدة لوظائفهم، في بعض الدول، جراء القوانين الصادرة عن بعض الجهات الإدارية المحلية، مثل قانون توقف بعض المؤسسات عن العمل، حتى إشعار آخر، وقانون الحظر الجزئي للتجول؛ والذي اقتضى توقف الكثير من الشركات عن العمل، ومنع ممارسات بعض المهام والنشاطات العمالية في أوقات الحظر، فضلاً عن إحلال نسبة من المواطنين المحليين؛ مكان العمالة الوافدة والمقيمين، للقيام ببعض الأعمال التطوعية في مراكز التسوق وبيع المواد الغذائية والتموينية والسلع الضرورية.

كل ذلك أدى إلى خلق أزمة جديدة؛ وهي عدم استطاعة الكثير من العمالة الوافدة، تسديد إيجارات السكن المستحقة عليهم، بسبب توقفهم عن العمل، وعدم صرف رواتبهم من قبل الشركات المسؤولة عن رواتبهم، ومن هُنا فقد خُلقت أزمة جديدة ثالثة؛ تمثلت برفض الكثير من أصحاب العقارات، التنازل عن مبالغ الإيجارات أو التوصل إلى تسويات حول ذلك.

الأمر الذي أدى إلى مغادرة الكثير من القوى العاملة، خارج الدولة عائدين إلى أوطانهم، وذلك بالتزامن مع صدور قرار آخر يسمح بإعطاء الفرص للوافدين والمقيمين المخالفين لشروط الإقامة، أو المنتهية إقاماتهم، بمغادرة الدولة، خلال فترة أقصاها شهر، من تاريخ صدور القرار، دون أن تكون عليهم أية جزاءات قانونية، أو غرامات مالية مُستحقة.

وعوداً على الجانب العلمي في إدارة الأزمات، جدير بالذكر أنه ليست كل أزمة تُفتعل من أجل التمويه أو السيطرة على مشكلات تنظيمية أو إدارية، تواجه الأجهزة الإدارية العامة، تُعد عملية مقصودة أو هادفة، بل تكون الأزمة أحياناً، نتيجة لتصدي بعض الأفراد (من الهواة المُتشدقين باصطلاح “الإدارة”)، لإدارة مجريات الأحداث، ونتيجة لسُوء تقديرهم للأوضاع الراهنة، وضعفهم في إحكام السيطرة، وعجزهم عن الاعتراف بأخطائهم الإدارية، فضلاً عن الإصرار عليها، والتمادي فيها، وبذلك يكون أولئك هم السبب الرئيس، في خلق أزمات أخرى جديدة. والشواهد على ما سبق كثيرة، من وقائع التجارب الإدارية للحياة المؤسسية اليومية، في مختلف البلدان، وللدول العربية والخليجية نصيب من ذلك.

 

الدكتور: ناصر ساجد الناصر

دكتُوراه الفلسفة في الإدارة

(إدارة المعرفة واستراتيجيات الموارد البشرية)

مُحاضر ومُدرب متخصص ببعض المجالات الإدارية- الكويت

شاركها
  •  
  •  
  •  
  •  
  •  
  •  
  •  
  •  
  •  
  •  

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

جار التحميل...