أخلاق مهنية

 

تُقلب صفحات المكتبات الإلكترونية للجامعات العالمية، التي وفرتها لها شقيقتها المبتعثة في الخارج للدراسة. أخذت قطرةً لترطّب عينيها المجهدتين من البحث المتواصل لساعات طويلة على شاشة الحاسوب، حتى وقع ناظرها على موضوع لم يُطرح من قبل على الساحة الأكاديمية البحثية لعينة الدراسة التي اختارتها. كانت دائماً شغوفةً في إثراء قاعة الفصل الدراسي بكل ما هو جديد من مشكلات بحثية، تناقش القضايا المختلفة للأحداث المتواصلة في العالم التربوي.

هرعت لهاتفها تخاطب معلم مادة “الأخلاق المهنية” ، تخبره بكل حماس، أنها اختارت موضوع البحث القادم، الذي تود بشدّة نشره عالمياً باللغة الإنجليزية. رحّب صاحب المقرر وأبدى اعجابه على أن يتم عرضه في الفصل الدراسي للمقرر الحالي ليستفيد منه الجميع، وأن تستكمل الإطار النظري قبل إنهاء المقرر، ليتم لاحقاً بعد المقرر تطبيق الأداة على الميدان التربوي.

ورغم الأعباء الدراسية، ومتطلبات المواد الأخرى المصاحبة لها في آخر فصل لاستكمال المواد المطروحة ما قبل رسالة الدكتوراه، أتمت الخطة المطروحة لاستكمال الإطار النظري لموضوع البحث، إلى جانب رسالة الدكتوراه التي بدأت في كتابتها، حتى أنها استكملت ترتيب البحث باختيار الأداة وتنسيق الجداول المفرغة للنتائج. كان عملاً متواصلاً مرهقاً، لأم لها طفلين صغيرين، لكن النهاية السعيدة لعمل متميز كانت وقود حماسها المستمر.

وبعد رصد الدرجات المقرر، تواصلت مع أستاذ المقرر لاستكمال البحث الذي لم يتبق منه سوى القليل، فجاء الرد: لاحقاً أزهار، أود منك التركيز على رسالتك حتى تحصلي على الدرجة العلمية بامتياز، كما عهدناك. كانت تلك الكلمات المُحفزة بمثابة المُخدر، الذي جعل أزهار تزداد ثقةً لأمانة وكرم أستاذها الصبور، وبعد مرور تسعة أشهر فقط، وفي لقاء على برنامج التلفاز، يظهر المعلم الفاضل بمناسبة تكريمه على بحث أكاديمي حصل فيه على المركز الأول لمسابقة دولية بحثية، كانت أزهار تطعم صغيرها فهد طعام العشاء، حتى وقعت عيني الصغير على دموع والدته، فأخذ بالبكاء والصراخ معها.

دخل أبو فهد محتاراً لصراخ فهد، فشاهده يحضن والدته التي كانت تبكي بمراره، سأل أبو فهد أزهار: ما الأمر؟ هل حدث لكم مكروه؟ لم تستطع أزهار كتم حزنها وازدادت في البكاء مُرددّة: حسبنا الله ونعم الوكيل.

وبعد انتهاء اللقاء، هدأت تلك المشاعر المختلطة بين حزن وغضب شديد، تخبر أبا فهد بأن ذلك البحث الذي فاز فيه المعلم الفاضل، هو بحثها الذي سلمته له في آخر مقرر، وأنّه وعدها باستكماله معها ونشره عالمياً لتميز الموضوع وأصالة طرحه. غضب أبو فهد وأخبرها بتوكيل محامٍ يأخذ الحق، لكن أزهار ردّدت بحزن: لا، سأترك هذا الموضوع لعدالة محكمة السمّـاء، لن أجعل هذا الموضوع يؤثر على تخرجي، فقد اقترب موعد مناقشة الرسالة.

كانت مرارة الصدمة أشد على طالبة متميزة لم تر إلا الأخلاق المهنية العالية ممن حولها، حتى كشف الله عنها في ابتلاء قاسٍ بعضاً من ستار العالم الأكاديمي المتعطش للترقيات والمناصب، ولو كان ذلك على حساب حياة المجتهدين، ولم تكن هذه سوى البداية.

 

أ. أنوار فاهد مخلد الهرشاني

 

 

 

 

 

 

شاركها
  •  
  •  
  •  
  •  
  •  
  •  
  •  
  •  
  •  
  •  

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

جار التحميل...